رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 06 يوليه 2020 الموافق 15 ذو القعدة 1441
لواء.حمدى البطران
لواء.حمدى البطران

مقدماتُ حربِ 1967 [2]

الأحد 31/مايو/2020 - 12:35 م
طباعة
وبعدٌ أنْ تمكنَ حافظَ الأسد منْ مفاصلِ الدولةِ السُورِية، حاولَ إبعادُ سورية عنْ القوى الإقليميةِ والمعتدلةِ في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ، مصر والعراقِ والسعوديةِ، وأعادَ تسويةَ الأوضاعِ معَ كلِ القوى البورجوازيةِ المؤثرةِ في سورية، منْ خلالِ مصالحها الاقتصاديةِ التي تضررتْ منْ سياساتِ حزبِ البعثِ السابقةِ.
كما سعى إلى تشكيلِ جبهةٍ وطنيةٍ تقدميةٍ تضممْ أحزابا أخرى إلى جانبِ حزبِ البعثِ، وأعادَ برلمانٌ ليسَ لهُ أيُ دورٍ رقابيٍ.
في ربيعْ 1967 كانتْ سورية قدْ مرتْ بأوضاعِ قلقهِ فيما يتعلقُ بنظامِ الحكمِ، وتداولَ السلطةِ عبرَ الانقلاباتِ، والسيطرةُ على مقدراتِ الأمورِ فيها بعدَ حدوثِ انقلابِ 1961، ولمْ تعدْ - كما كانتْ طيلةِ ثلاثِ سنواتٍ ونصفً - جزءا منْ الجمهوريةِ العربيةِ المتحدةِ، في وحدةُ اندماجيةُ، وتحول الحماسُ إليها إلى عداءِ صريحٍ واتهاماتِ علنيةٍ لنظامِ الحكمِ السوريِ، بلْ أصبحَ الأمرُ شبيها بالتعاملِ معَ العدوِ.
وتطوعتْ أقلامُ الكتابِ والمفكرينَ بإسباغِ اتهاماتِ الخيانةِ والعمالةِ ومعَ هذا فقدْ كانتْ هناكَ ومضةُ ضوءٍ خافتةٍ تنبثْ وسطَ ظلامِ الكراهيةِ، كانَ هذا الضوءِ هوَ التوحدُ على عدوٍ واحدٍ، يتربصَ بهمْ جميعا منْ أجلِ زيادة رقعةِ بلادهُ، وتوسيعَ أرضهِ الضيقةِ. وتوحدوا على فكرةِ العداءِ لإسرائيل، وهيَ الفكرةُ التي لمْ تنطفئْ، ومازالتْ متأججةً في النفوسِ ومسيطرةٌ على المشاعرِ وحاكمةٍ للتصرفاتِ في ذلكَ الوقتِ.
لأجلَ هذا، كانَ لابد للدولتينِ المصريةِ والسوريةِ أنْ تقتربا لدرءِ هذا الخطرِ على حدودهما. كانَ يجبُ أنْ تقتربَ سورية منْ مصرَ، ربما لإحساسِ سورية، ومعها باقي الدولِ العربيةِ، أنَ مصرَ هيَ الأخُ الأكبرُ والأقوى والأسبقُ خبرةً في التعاملِ العسكريِ، وجيشها جيشٌ عريقٌ، هددَ حدودَ الدولةِ العثمانيةِ، وساحتْ قواتهِ على شاطئِ البحرِ المتوسطِ حتى اقتربتْ منْ الأستانة، لولا تدخلُ الدولِ الغربيةِ وخوفوهمْ تنامي هذا الجيشِ المرعبِ. تسارعتْ أحداثُ الحرب على النحوِ التالي:
- في نوفمبرَ 1966، وقعتْ مصرُ وسورية اتفاقيةً للدفاعِ المشتركِ بعدَ أنْ زادتْ التهديداتُ الإسرائيليةُ المعلنةُ لسورية.
- وفي 30 مايو 1967 , وصلَ الملكْ حسينْ إلى القاهرةِ بملابسةِ العسكريةِ وقامَ بتوقيعِ اتفاقيةِ دفاعٍ مشتركٍ معَ مصرَ.
على إثرِ هذهِ الاتفاقيةِ سافرَ الفريقُ عبدَ المنعمْ رياضْ إلى العاصمةِ الأردنيةِ عمانَ، ومعهُ كتيبتانِ منْ كتائبِ قواتِ الصاعقةِ المصريةِ، وفرقةُ عملياتٍ، ومعداتُ دفاعٍ جويٍ.
وفي ربيعْ 1967 أبلغَ الاتحادُ السوفيتيُ والمخابراتُ السوريةُ الرئيسَ جمالَ الرئيسِ جمالْ عبدِ الناصرْ بوجودِ حشودٍ عسكريةٍ على الحدودِ السوريةِ ، وعلى الرغمِ منْ أنَ مبعوثي الرئيسِ جمالْ عبدِ الناصرْ للتأكدِ منْ وجودِ هذهِ الحشودِ قدْ نفوا وجودها ، إلا أنَ صوتهمْ ضاعَ في خضمِ الضجيجِ الذي كانتْ قدْ أحدثتهُ السياساتُ التي استهدفتْ إعلانَ نذرِ الحربِ، ووجدَ هذا الجوِ الحماسيِ قبولاً وترحيبا منْ الرئيسِ جمالْ عبدِ الناصرْ ، الذي سرعانَ ما أصدرَ أوامرهُ بالتعبئةِ العامةِ وحشدِ القواتِ المصريةِ في سيناءَ في 14 مايو 1967، بهدفَ تخفيفِ الضغطِ على الجبهةِ الشماليةِ في سورية .
وفي 17 مايو خطا الرئيسُ جمالْ عبدِ الناصرْ خطوتهُ التاليةُ الشهيرةُ بأنَ أمرَ بإغلاقِ مضايقَ تيرانْ في وجهِ الملاحةِ الإسرائيليةِ، مما فجرَ حربَ يونيو 1967.
قبلَ اندلاعِ حربِ 1967 بعدةِ أشهرٍ، زارَ القاهرةَ المارشال جريتشكو، قائدُ قواتِ حلفِ وارسو. وبعدُ لقائهِ بالخبراءِ العسكريينَ السوفييتِ، دعاهُ الرئيسُ جمالْ عبدِ الناصرْ لمقابلتهِ، وسألهُ عبدُ الناصرْ عنْ انطباعهِ عنْ حالةِ الجيشِ المصريِ، حاولَ المارشال جريتشكو أنْ يرفعَ منْ شأنِ المستشارينَ العسكريينَ السوفييتِ الذينَ يعملونَ في مصرَ منذُ فترةٍ، فقالَ جريتشكو: إنَ جيشكمْ قادرٌ على تنفيذِ أيِ مهمةٍ على مسرحِ العملياتِ “.
وربما تكونُ تلكَ الكلماتِ آلتْي قالها قائدَ حلفِ وارسو، هيَ التي دفعتْ عبدَ الناصرْ إلى القيامِ بمظاهرةِ استعراضِ القوةِ، على أيهْ حالٍ هوَ وثقَ في تنامي القدراتِ القتاليةِ للقواتِ المسلحةِ، وقررَ أنْ يستخدمَ هذا الزخم، ولكنْ رغمَ ذلكَ لمْ يكنْ عبدُ الناصرْ راغبا في نشوبِ الحربِ. لقدْ بالغ عبدِ النصرِ في تقديرِ قوتهِ وإمكانياتِ قواتهِ المسلحةِ. لأنهُ في يومِ 22 ديسمبر 1967 , أيْ بعدَ ستةِ شهورِ منْ بدايةِ الحربِ، نشرتْ صحيفةً " هآرتزْ الإسرائيليةَ مقابلةً معَ إسحقْ رابينْ، رئيسُ الأركانِ الإسرائيليِ وقتها وذكرَ للصحيفةِ أنهُ يوجدُ فرقُ بينَ حشدِ القواتِ بهدفِ الحربِ، وبينَ تلكَ الحركةِ التي منْ الممكنِ أنْ تنتهيَ بالحربِ، ولكنْ دونَ أنْ يكونَ هدفها الحربُ “. وهوَ ما كانَ يدورُ في ذهنِ عبدِ الناصرْ، لأنهُ عندما أعطى أوامرهُ للقواتِ المسلحةِ بالتوجهِ إلى سيناءَ، كانَت أرتالَ الدباباتِ والعرباتِ المحملةِ بالجنودِ تمر أمامَ نوافذِ السفارةِ الأمريكيةِ في القاهرةِ، وكانَ منْ الواضحِ أنَ ناصرْ يريد أنْ يوجهَ رسالةً لإسرائيل منْ خلالٍ الأمريكيينَ.
[يتبع]