رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 13 يوليه 2020 الموافق 22 ذو القعدة 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

إفقار نصف مليار

الخميس 28/مايو/2020 - 04:51 م
طباعة
هذا هو «الخراب المستعجل»، الذى كانوا يتحدثون عنه فى الأمثال الشعبية والحواديت القديمة. ولا نعتقد أن منظمة «أوكسفام»، غير الحكومية، بالغت حين توقعت أن تؤدى الأزمات، الصحية والاقتصادية، الناتجة عن فيروس «كورونا المستجد»، إلى إفقار حوالى ٥٠٠ مليون شخص. وعليه، كان قرار غالبية دول العالم بالعودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية، ضروريًا أو حتميًا، سواء بـ«حزام وقائى» أو بالرهان على وعى مواطنيها.
بات فى حكم المؤكد، أن الخسائر الاقتصادية والاجتماعية للوباء، فى كل أنحاء العالم، لن تكون أقل من الخسائر البشرية، وأنها ستكون، مثلها، خارجة عن المألوف. ولا نبالغ لو قلنا إن غالبية الدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى ستكون متفائلة زيادة عن اللازم، لو راهنت على خطة النهوض الاقتصادى، التى أعلن عنها الاتحاد أمس الأول، الأربعاء، لأن تلك الخطة لن تنعش، إن أنعشت، إلا اقتصادات دول محدودة أو محددة، ولن تأخذ الرأسمالية الهمجية بعين الاعتبار إلا مصالح حيتان المال والاحتكارات الكبرى، متعددة الجنسيات، العابرة للقارات.
فى باريس، عاد الزوار، الثلاثاء الماضى، إلى بعض المتاحف بعد فترة إغلاق طويلة. ولم تكن تلك هى الأماكن الرمزية الوحيدة التى أعادت فتح أبوابها، بل حدث الشىء نفسه مع موقع بومبيى الأثرى فى إيطاليا. والثلاثاء، فاز بايرن ميونخ على دورتموند ليحسم «الكلاسيكو» فى الدورى الألمانى لكرة القدم. أما فى نيويورك، المدينة الأكثر تضررًا من الوباء، فقد عاد ثمانون وسيطًا إلى قاعة المداولات فى بورصة وول ستريت للمرة الأولى منذ ٢٣ مارس.
تلك مجرد مقدمات أو مؤشرات على تسارع الولايات المتحدة ودول أوروبا لرفع إجراءات العزل. ومن المؤشرات أيضًا أن إسبانيا، بعد إعلانها فتح حدودها الخارجية مع بلدان الاتحاد الأوروبى، ابتداءً من يوليو المقبل، طالبت شركاءها الأوروبيين، الذين يستعدون لفتح حدودهم أمام مواطنى الدول الأخرى، بالتوصّل إلى اتفاق أوروبى مشترك حول شروط السلامة الصحية وتعريف واضح لمفهوم البلد الآمن وقواعد موحّدة لمراقبة الحدود.
إسبانيا، التى أعلنت الحداد لمدة ١٠ أيام، تتزايد فيها معدلات الفقر بشكل أسرع مما كانت عليه خلال أزمة ٢٠٠٨ المالية العالمية. ومع تراجع الناتج المحلى الفرنسى بمعدل ٢٠٪ فى الفصل الثانى، يتوقع الخبراء تراجعًا سنويًا يزيد على ٨٪، ما وصفه المعهد الوطنى للإحصاء بأنه «أكبر انكماش منذ إنشاء الحسابات الوطنية سنة ١٩٤٨». وفى روسيا، يتراوح عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة، التى قد تتوقف عن العمل، بين ١.٣ أو ١.٨ مليون شركة، طبقًا لتقديرات كبير الاقتصاديين فى مؤسسة «بى كا إس بريمر»، الذى يتوقع أن يؤدى ذلك إلى تقليص سوق العمل بنسبة ١٥٪ أو ٢٠٪ قبل نهاية العام الجارى.
قطعًا، سيكون الوضع أكثر سوءًا فى غالبية دول أمريكا اللاتينيّة، التى صارت «دون أدنى شكّ» البؤرة الجديدة للوباء، حسب المكتب الإقليمى لمنظّمة الصحّة العالمية. وفى البرازيل، مثلًا، يتوقع الخبراء هبوط الناتج هذه السنة بنسبة تتراوح بين ٦٪ و١٠٪، وارتفاع معدل البطالة البالغ حاليًا ١٢.٢٪ إلى أكثر من ١٨٪ مع نهاية العام الحالى. وأضف إلى ذلك المخاوف التى أبداها خبراء مجموعة الدول العشرين الصناعية الكبرى، من أن يتسبب الوباء، قبل نهاية العام، فى انتشار العدوى الأرجنتينية اللبنانية: عدوى تخلف الدول الناشئة عن سداد ديونها.
الوضع هنا، فى مصر، يحتاج وقفات. ومع أن المركز المصرى للدراسات الاقتصادية، يتوقع زيادة لا تقل عن ٤ ملايين، فى أعداد العاطلين، إلا أن تلك الأرقام، كغيرها، تظل بعيدة عن الواقع، لأسباب يطول شرحها. ولك أن تتخيل، مثلًا، أن النيابات المختصة بجرائم الأموال العامة تقوم، الآن، بالتحقيق مع متهمين، فى ٥٩ قضية، استولوا على أموال مواطنين، تزيد على ٣٧٠ مليون جنيه، بزعم توظيفها أو استثمارها، خلال الشهر الماضى، أى فى عز أزمة الوباء!.
يمكننا أن نقول، إجمالًا، إن الدول التى شجعت القطاعات الزراعية وحمت أمنها الغذائى كانت، وغالبًا ستكون، الأقل تضررًا من الأزمة، أما باقى الدول، بما فيها تلك التى صمدت أنظمتها الصحية فى مواجهة الوباء، فقد تراجعت فيها المؤشرات الاقتصادية، وستستمر فى التراجع، بشكل مؤلم، وغالبيتها، أو كلها باستثناءات قليلة، ستواجه مشكلات خطيرة لن تكون قادرة على مواجهتها دون مساعدة خارجية سريعة ومنظمة.
أخيرًا، وبعد أن توافق المجتمع الدولى على ضرورة أن يكون اللقاح المضاد للفيروس، حال ظهوره، سلعة عالمية، فإن الأزمة الاقتصادية الحادة، المتحققة أو المرتقبة، تستوجب أن تتبنى الدول المتقدمة، أو التى توصف بذلك، مشروعات زراعية وصناعية كبيرة فى الدول النامية، تساعدها على محاربة الفقر والبطالة وسوء التغذية، لأن عجز تلك الدول عن تأمين الغذاء لشعوبها، سيجعلها عاجزة أيضًا عن الحفاظ على تماسكها الداخلى، حتى لو كان شكليًا.