رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 25 مايو 2020 الموافق 02 شوال 1441
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

فرحة الإسكندرية برسامة أسقفها !!

الثلاثاء 19/مايو/2020 - 07:14 م
طباعة
الأسقف لا يُقام أسقفاً، والمطران لا يُقام أسقفاً، بل الراهب هو الذى يُقام أسقفاً، وغير ذلك فإن الذى يُقام على الإسكندرية ما هو إلا قائمقام بطريركي– كما جاء فى بحث وثائقى صادر عن دير القديس أنبا مقار بوادى النطرون. ولكن للأسف الشديد غابت هذه الحقيقية الجوهرية عن أبناء هذا الجيل، ثم يهل علينا أسقف مُحدث بمقال عنوانه "حلو الكلام"!!
تبدأ القصة عندما توجه الشاب "عازر يوسف عطا" للرهبنة بدير البراموس العامر بوادى النطرون فى 27 يوليو 1927، ثم تمت رهبنته فى 25 فبراير 1928 باسم الراهب مينا البراموسى، حيث استقبله الأب يعقوب البراموسى – أحد آباء الدير والمعروف عنه بأنه لا يتكلم أسابيع بل شهور – لكن أمام الشخصية الوديعة والهادئة التى رآها فى شخص الراهب الحديث قال له: (سر على بركة الله بهذا الروح الوديع الهادئ، وسيقيمك الله أميناً على أسراره المقدسة، وروحه القدوس مرشدك ومُعلمك)، وكانت هذه نبوءة تحققت فيما بعد فى 10 مايو 1959. وصفت مجلة "المصور" بعددها رقم 1902 لسنة 1959 الوضع فى الكنيسة القبطية قائلة: (منذ أن تنيح البابا يوساب الثانى فى 13 نوفمبر 1956، والكنيسة الأرثوذكسية تعيش فى دوامة من وجهات النظر المتضاربة فى كل شئونها). حدث أن الأنبا أثناسيوس – مطران بنى سويف فى ذلك الوقت – وقائمقام البطريرك، أصر أن يُقتصر الترشح لأسقفية الإسكندرية على طغمة الرهبان فقط واستبعاد جميع المطارنة والأساقفة من الترشح طبقاً للتقاليد العريقة المعمول بها فى الكنيسة القبطية والتى وضعها مجمع نيقية المسكونى المنعقد عام 325م. وقد استقرت لجنة الترشيحات المنبثقة من المجمع المقدس للكنيسة القبطية على قبول تزكية 5 مرشحين لأسقفية الإسكندرية وهم: القمص دميان المحرقى (وكيل بطريركية الإسكندرية)، القمص تيموثاؤس المحرقى، القمص أنجيلوس المحرقى، القمص مينا الأنطونى، والقمص مينا البراموسى المتوحد (بتزكية من القائمقام قبل غلق موعد إغلاق باب الترشيحات بيوم واحد، دون علم الأب الراهب بترشحه لأسقفية الإسكندرية!! أى أن الأب مينا البراموسى لم يرشحه أحد من قبل ولم يخطر بفكرة موضوع الترشح).
فى يوم الجمعة 17 أبريل 1959 كان موعد إجراء الانتخابات بالكنيسة لاختيار 3 مرشحين من بين الخمسة، تحت إشراف لجنة من أعضاء لجنة الترشيح وعدد من أساقفة المجمع المقدس. أسفرت الانتخابات عن فوز القمص دميان المحرقى (323 صوتاً)، القمص أنجيلوس المحرقى (316 صوتاً)، القمص مينا البراموسى المتوحد (280 صوتاً). بعد ذلك تأتى مرحلة "القرعة الهيكلية" التى تحدد لها يوم الأحد 19 أبريل 1959، وفيها يُقام قداس بالكاتدرائية المرقسية الكبرى بالأزبكية – كما كانت فى ذلك الوقت – وذلك بواسطة أساقفة الكنيسة والقائمقام، ويتم وضع 3 أوراق بها أسماء الرهبان الثلاثة المُنتخبين فى ظرف واحد، ويأتى أحد الأطفال، وهو معصوب العينين، ويختار ورقة واحدة، على أن يكون من اختاره يكون هو أسقف الإسكندرية الجديد وذلك يعنى أن الذى اختاره جاء بـ"اختيار الرب".
ذكرت مجلة "المصور" فى عددها الصادر بعد إجراء القرعة الهيكلية أن: (القائمقام راح ينفض المظروف أمام الناس ليؤكد أنه ليس به أوراق، ثم طوى المهندس كمال استينو – وزير التموين فى ذلك الوقت – ورقة ورقة، طواها 4 مرات، وعندما بدأ يضع الورقة الأولى داخل المظروف، هتف المصلون قائلين: (الأسماء مكتوبة بخط كبير وظاهرة من ظهر الورقة)، فأخذ المهندس كمال أستينو يطويها من جديد حتى بلغت 8 طيات، ثم سكتوا، - قارنوا بين تلك الواقعة وما حدث يوم 4 نوفمبر 2012 ولم يتكلم أحد ولم يعترض أحد وكان ما كان!! ثم ختم قائمقام البطريرك المظروف بالشمع الأحمر، ووّقع المهندس كمال أستينو على أركان المظروف الأربعة، ثم وضع المظروف فى الهيكل وأقيمت الصلاة، إلى أن أحضروا شمامس صغيرًا يُدعى "رفيق باسيلى" وعمره 5 سنوات، فى حضور مندوب عن وزير الداخلية، واختار ورقة حملت اسم القمص مينا البراموسى المتوحد. وتحدد موعد الرسامة – وليس التنصيب – يوم الأحد 10 مايو 1959. فى يوم السبت 9 مايو 1959 ذهب القمص مينا البراموسى بصحبة الأنبا بنيامين مطران المنوفية، والأنبا مكاريوس أسقف دير البراموس، والأنبا ثاؤقيلس أسقف دير السريان، إلى دير البراموس، حيث بدأ الراهب مينا البراموسى طريق رهبنته، وأقام القداس الإلهى، ثم اتجه إلى أديرة الأنبا بيشوى والسريان بوادى النطرون وصلى بها. أشارت جميع الصحف المحلية والمجلات القبطية إلى أن طقس رسامة البابا كيرلس لم يعرفه الجيل الحاضر لأن الذين سبقوه كانوا مطارنة وليسوا رهباناً، فأقيمت لهم حفلات تنصيب، لكن الرهبان لهم صلوات رسامة رائعة، وهى سبب فرحة شعب الإسكندرية عندما يُقام أسقفهم من الآباء الرهبان. حتى إن الصحفى "طلعت يونان" بجريدة "مصر" وصف الاحتفال برسامة البابا كيرلس بقوله: (كان شيئاً أكبر من فكرة الفضول يحشد آلاف البشر داخل البطريركية وخارجها، فى الشوارع وعلى أسطح المنازل، كان كل قبطى قد وجد البابا المُنتظر، والراعى الصالح الذى يطرد الذئاب، والقائد الذى يحقق الإصلاح وهذه الصفات جعلتنا نُحبه أكثر من أب، ونجعله أكثر من بطريرك). فى الساعة الثانية والنصف صباحاً من يوم الأحد 10 مايو 1959، فوجئ حارس المقر البابوى بالأزبكية بالأب مينا البراموسى يطلب منه أن يفتح الكنيسة ليقيم صلاة التسبحة، فأخبره الحارس بأن المرتلين قادمون فى الرابعة صباحاً لهذا الغرض، ولكن الأب مينا عرّفه أن هذه رغبته. فانصاع الحارس للطلب ودخل الأب المتوحد إلى الكنيسة وسجد أمام هيكل الله المقدس وأشعل بعض الشموع وصلى التسبحة. وعندما وصل المرتلون أصابتهم الدهشة لأنه لم يسبق لهم أن سمعوا قط عن بطريرك يصلى التسبحة كهذا. وبعد ذلك صلى بخور باكر ثم جلس فى الكنيسة ينتظر قدوم الأب الكاهن الذى سيقيم القداس الأول. ألحّ عليه الكثيرون بأن يستريح قليلاً فى قلايته ريثما يحضر الآباء المطارنة لإتمام الرسامة، ولكنه أصّر أن يحضر صلوات القداس ووقف فى أحد أركان الهيكل يبكى طالباً المعونة من الله فى خدمته الجديدة. صعد بعد ذلك إلى قلايته ثم اجتمع الآباء المطارنة والأساقفة والكهنة والشمامسة وشعب غفير وتوجه معهم فى موكب مهيب إلى الكنيسة، وتسلم مفاتيحها – حسب التقليد – وفتح باب الكنيسة وهو يقول: (افتحوا لى أبواب البر لكى أدخل وأشكر الرب. لأن هذا هو باب الرب وفيه يدخل الأبرار. أشكرك يارب لأنك استجبت لى وكنت لى مخلصاً). ثم دخل الكنيسة وسجد بانسحاق أمام الهيكل وطال سجوده!! فصاح به الأنبا أثناسيوس القائمقام قائلا: (قوم يا أبونا مينا خلينا نبتدى)، فقام الأب مينا والدموع قد ملأت وجهه النورانى. فقال له القائمقام: (إن الله الذى اختارك هو الذى سيقف معك متخفش). كانت دموعه صادقة، وظلت ملازمة له طوال فترة بطريركيته، فكان الله سنداً له. ثم بدأت طقوس الرسامة الجميلة الخاصة برسامة راهب لكرسى الإسكندرية، إذ وضعوا على رأسه الأناجيل المقدسة، ثم اجتمع جميع المطارنة والأساقفة ووضعوا أيديهم عليه، ثم رشم القائمقام جبهته 3 مرات قائلا: (ندعوك أنبا كيرلس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية). وفى كل مرة يرد الشعب: (آمين .. كيرياليسون). كان اباً حقيقياً، وراعياً ورعاً، وشخصية مهوبة. أشفق بالحق على القطيع من أولاده ولم يتركه يضيع، كما أن الله أعطاه بصيرة روحية.