رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 30 مايو 2020 الموافق 07 شوال 1441

من يوميات «زكي طليمات» في السربون: يجهلون أن في مصر تمثيلًا وفنًا

الإثنين 18/مايو/2020 - 10:26 م
زكي طليمات
زكي طليمات
نضال ممدوح
طباعة
كان رائد المسرح المصري زكي طليمات عضوًا في أول بعثة حكومية، أوفدتها وزارة المعارف إلى مسارح أوروبا عام 1930، ثم أنشأ فرقة المسرح الحديث من خريجي وخريجات المعهد عام 1950، وتطلع بها نحو قمة متميزة، تسمو بالفن المسرحي عن مستوى الضحك الرخيص والتسلية التافهة.

يصفه الروائي خيري شلبي بأنه:"يعشق التعبد في محراب العمل الفني٬ كأنه قديس ينشر تعاليمه من فرط حبه للتعليم والناس، قل له تعال نعمل فرقة يوافق حتى لو كان عليه أن يخلقها من العدم، فأعظم لذة عنده هي استغراقه في تخليق الفنانيين، وتكوين الحركات الفنية، وإشاعة مناخ فني طازج على الدوام".

في عددها السادس عشر وبتاريخ الإثنين الأول من مارس 1926 وتحت عنوان "بين مصر وباريس.. رسائل فنية كيف يتعلمون فنون المسرح ؟!" نشرت المجلة رسالة من يوميات زكي طليمات التي أرسلها من باريس خلال دراسته للمسرح يقول فيها: "استيقظ من نومي الساعة التاسعة٬ إلى معهد الزخرفة المسرحية الذي يقوده الأستاذ "كانار" الأستاذ بمدرسة الفنون الجميلة٬ فأقضي ثلاث بيانات في درس الزخرفة المسرحية ومدارس التصوير المختلفة لستائر المسرح. ثم بعد الغداء إلى جامعة حيث السربون حيث أسمع محاضرات في تاريخ فن التمثيل لدي اليونان والفرنسيين. ثم إلى دار البعثة حيث أقرأ مع أستاذ مدرسة روايات مسرحية٬ أضف إلى ذلك ثلاث جلسات في الأسبوع لدي أستاذي في فن الإلقاء المسيو "دنيس دينيه" الممثل بالكوميدي فرانسيز٬ ثم العشاء ثم حضوري التمثيل.

وبعد كل هذا حينما يظلني سقف حجرتي أعمد إلي مذكراتي فأدون ما أراه نافعا لفني فيما قرأت وشاهدت وسمعت. هذا نهاري يبدأ من التاسعة صباحا وينتهي الساعة الأولى أو الثانية من منتصف الليل. أنني لا أسمح لنفسي أن تضيع ساعة في غير ما يكسبها جديدا كأحسن أبنائها لأمثل بها (لا..لأتكلم فحسب) نصب عيني نور باهر أريد أن أقتطف منه قبسا وهاجا أحمله إلي مصر العزيزة٬ حسبنا يا عبد المجيد (يقصد محمد عبد المجيد حلمي رئيس تحرير المجلة) الطنطنة الجوفاء والثرثرة الفارغة٬ حسبنا غرورا٬ البوق العزاف أنق منه في صمم! مصر تريد رجالا متعلمين٬ وهي والله الأمر تعاني تخمة من القوالين المتشدقين الأغرار!

سأبدأ قريبا في كتابة مقالات باللغة الفرنسية عن تاريخ المسرح المصري في مجلة (...) والذي أعانيه في كتابتها هو التحايل المخزي الذي أريد أن أعالج به هذا الموضوع لأقدم فيه حقيقة وعلم دون أن يحط من كرامتنا٬ أريد أن أجعل لنا حيثية والسلام. أنهم هنا يجهلون أن بمصر تمثيلا٬ وأن لنا مسرحا وأراهم يستكثرون علينا ذلك٬ لذلك رأيت أن أكتب هذه المقالات لأن كرامتنا المصرية تحتم ذلك٬ أضف إلي هذا أني سأكتب بلغة أدرسها٬ وفي ذلك تمرين جيد٬ كما أني أتقدم إلي الجمهور كممثل وأديب وفي هذا فخر لمصرنا العزيزة.

يتابع "طليمات": ترى من برنامج دراستي أني مهتم بثقافة رأسي قبل كل شيئ لأني أعتقد أن الممثل أحوج الفنانيين جميعا إلي رأس مثقفة حتي يخلق في فنه السامي مخلوقات حية صحيحة. إني أقرأ الآن أول ما وضع للمسرح٬ أي أنني أقرأ "سوفكليس" وأشيل وأوربيديس وأرستوفان بعد ذلك إلي الرومان إلي الإنكليز٬ وحمدا لله أني قرأت خمس مآس لشكسبير ومهزلة. ثم الأسبان وهم أساتذة الفرنسيين في مأساتهم في القرن السابع عشر٬ فكورنيل٬ فراسين٬ فموليير٬ فكتاب العصر الرومانتيكي٬ فالمسرح الفرنسي الحديث.

أما محاضرات الجامعة٬ جامعة السربون٬ فقيمة للغاية وتلقي بتوسع فخم٬ ولعلي موفق إلي حصولي علي إجازة "شهادة" بعد عامين في تاريخ المسرح. أما دراستي الخاصة في القسم الفني le cote technique فقد بدأتها وهي تحوي lecairage mise enscene ثم el la decorotion ويدخل تحت العلم الأول ستائر المسرح والمدارس المختلفة في تصويرها وتنسيقها.

وتستدعي دراسة ذلك٬ الإلمام البسيط بالتصوير ومزج الألوان. ولا يمكن دراسة القسم الثاني وهو الإضاءة٬ إلا بعد هذا القسم الذي يحوي فوق ما ذكرت٬ تاريخ الملابس القديمة٬ والأثاث وسأنتهي منه في يوليو المقبل.

أما دراستي الخاصة بالأداء فتسير علي مايرام٬ وأستاذي مشهور في باريس بدقته التي لا تجاري في إخراج أدواره٬ وهي الأدوار الأخلاقية٬ وينعته النقاد (المدرسة الحديثة في المسرح الفرنسي) وهو رجل تفكير واستنباط٬ أكثر مما هو ممثل يستدر التصفيق بالمفاجأت في الإلقاء والحركة وهو يمقت التقليد٬ وكانت أول نصيحة قالها لي:"فكر فيما ألقيه عليك٬ وكون شخصيتك٬ وإياك أن تقلدني" أوه يا عبد المجيد إنني احتاج إلي أكثر مما كتبت لأصف لك حجرة عمل هذا الرجل في منزله وما تحويه من نفائس الكتب والمخطوطات.

وسألتحق بالمعهد الأهلي في سبتمبر المقبل٬ لأني كما تعرف وصلت متأخرا٬ وقد حاول معالي فخري باشا جهده في أن يلحقني هذا العام٬ ولكنه لم يوفق لأن المعهد لا يقبل أحدا بعد أن تتكون فصوله (فرقه) الخمس التي تجمع كل منها عشرة أشخاص أراني سأتكلم كثيرا أيضا٬ أبعد كل هذا هل تدري كم الساعة الآن؟ إنها الثانية والنصف بعد منتصف الليل٬ فلننته ولندع الحديث إلي فرصة أخر
ي.
باريس في 12 فبراير 1926.. زكي طليمات.