رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الخميس 24 سبتمبر 2020 الموافق 07 صفر 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.أحمد الخميسى
د.أحمد الخميسى

حتى تراب الوطن.. بطولة

السبت 16/مايو/2020 - 05:54 م
طباعة
حتى تراب الوطن يصبح قوة تنضح بقصص الشجاعة، لهذا تحكى أسطورة قديمة أن أميرًا دعا أميرًا آخر للمصارعة حسمًا لنزاع بينهما، فوافق الثانى شرط أن تُفرش دائرة القتال بتراب من وطنه، وكان الثانى يوجه ضرباته منتصرًا طالما قدماه على تراب وطنه، لكنه يُهزم إن زلّت قدمه خارج تراب بلده.
مع ثورة ١٩ فى مصر، عمّت موجة اغتيالات بلغت ذروتها بمصرع «السير لى ستاك»، قائد الجيش المصرى، وهو فى طريقه إلى منزله فى الزمالك، فقد هاجمت موكبه فى ١٩ نوفمبر ١٩٢٤ مجموعة من الشباب فتحت الرصاص عليه وألقت على سيارته قنبلة تبين للإنجليز أنها يدوية الصنع، توفى «السير لى ستاك» متأثرًا بجراحه، وبقى السؤال الأهم: هل انتقل المصريون إلى صنع القنابل؟ وأين؟ ومن الذى يقوم بذلك؟
المصريون قبل هذه الحادثة كانوا يلقون بأنفسهم وهم عزّل من السلاح أمام نيران قوات الاحتلال، وكان الشباب، حسب وصف عباس العقاد فى كتابه «سعد زغلول»، يتقدمون صفًا بعد الآخر فاتحين صدورهم للبنادق فقط لكى يرفعوا العلم المصرى عاليًا، يتساقطون فى دمائهم، صفًا بعد صف، لأنهم «يطيقون رؤية الجثث المطروحة ولا يطيقون رؤية علم مصر ملقى على التراب»، لكنهم الآن يصنعون القنابل، وهو تطور جديد فى مقاومة الاحتلال، بعد أن بلغت محاولات اغتيال مسئولين بريطانيين إحدى وعشرين محاولة حتى عام ١٩٢٤! أين تصنع القنابل؟ من ماذا؟ من الذى يقوم بتصنيعها؟
حاولت الشرطة بقيادة الإنجليز الوصول إلى شىء، أى شىء، دون جدوى، وفجأة استيقظت فى ذاكرة أحد الضباط قضية قديمة كان قد انقضى عليها ستة أعوام، حين بلغ الشرطة أن شابًا مجهولًا كان يختبر قنبلة فى الصحراء الشرقية بجوار حلوان وانفجرت فيه ودفن فى مكان الحادث، لا بد أن لذلك الشاب الذى كان يختبر القنبلة علاقة بآخرين، بأولئك الذين يصنعون القنابل الآن.. من هم؟ أين هم؟ وهل يمكن لقبره أن يكون خيطًا يقود إلى معلومات محددة؟
راحت الشرطة لنحو نصف عام كامل تبحث فى الصحراء الشرقية عن قبر مجهول، قسّمت الأرض إلى عدة أقسام، ونبشت كل قسم، وحفرت، من دون أن تصل إلى شىء.. وعندما أصاب اليأس الضباط وتقرر التوقف عن البحث، فوجئوا بصبى بدوى كان عائدًا على جمله من الصحراء وقد وجد عظامًا بيضاء صغيرة فى مكان جاف، وهرولت الشرطة إلى هناك وحفرت واكتشفت بعض الملابس المخبأة بين الصخور، وعثرت على بقايا القنبلة وعدد آخر من زجاجات القنابل الصغيرة موزعة فى الأرض، لكن من هو الذى ضحى بحياته لكى يجرب القنابل؟ لم تجد الشرطة سوى بقايا ملابس بها بعض الأزرار، وبجمع البقايا وبالتحرى أمكن الوصول إلى الخياط الذى حاكها فى القاهرة، ثم معرفة اسم مالكها، من هو؟ نحن لا نعرف، ولا يذكر «توماس راسل»، قائد عام الشرطة فى مصر، الاسم، لهذا يبقى لنا اسمه فى تراب مصر، ويصون التراب تلك البطولات، ويمسى حتى تراب الوطن قوة، تنضح بقصص الشجاعة والكفاح، وبوجوه لا نعرفها، يمكننا فقط أن نتخيلها، كما يمكننا أن نتخيل كل البسالة والتضحيات التى ينطوى عليها ترابك يا مصر، ومنه تنبت كل يوم قصص جديدة، مثل قصة طلعت سالم، السائق الذى تجاوز الخمسين، وكان يقف داخل محطة وقود فجر يوم الأحد ١٠ مايو قرب شاحنة وقود تحمل خمسة وأربعين طن بنزين، وفجأة اشتعلت الشاحنة على مرأى من الجميع موشكة على تفجير المحطة والبيوت المجاورة، ارتفعت ألسنة اللهب وتجمد الجميع أمامها بذهول، أما طلعت سالم فلم يفكر طويلًا، لا فى ابنه محمد ولا ابنتيه ولا بيته، اندفع نحو الشاحنة وقفز فيها وقادها فى اللهب إلى منطقة جبلية بعيدة، ثم وثب منها، فأنقذ حياة المئات من الموت فى مدينة العاشر من رمضان.. قال طلعت سالم بعد ذلك: «هناك بيوت قرب محطة الوقود، وكان كل همى أن أخرج بالشاحنة من المحطة، لأنها لو بقيت ثلاث دقائق أخرى لانفجرت ودمرت المحطة والمساكن المحيطة بها.. ما قمت به لم يكن إلا الواجب حفاظًا على أرواح الناس».
هناك من لا يطيقون رؤية العلم مُلقى على التراب، ومن يخترعون السلاح لمقاومة الاحتلال، ومن ينقذون الحياة بأرواحهم، وجميعهم من تراب مصر، التراب الذى لم يكن له اسم أو صورة أو هيئة فى الصحراء، ومع ذلك فقد منح قوة الانتصار لكل من قاتل من فوقه.. حتى التراب عندنا ينضح بطولة وشجاعة.