رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 03 شوال 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

انحطاط معتاد.. سابق لأوانه

الجمعة 15/مايو/2020 - 06:02 م
طباعة
ظهور لقاح مضاد لفيروس «كورونا المستجد» لا يزال فى علم الغيب، وهناك من يستبعدون احتمال ظهوره إلا بعد ١٨ أو ٢٤ أو ٣٦ شهرًا أو بعد عمر طويل. ومع ذلك، نقلت وكالة «بلومبرج» الأمريكية عن مجموعة «سانوفى» الفرنسية للصناعات الدوائية أن أولوية الحصول على اللقاح، حال التوصل إليه، ستكون للولايات المتحدة الأمريكية!.
بعد حالة الاستياء التى أثارتها تلك التصريحات فى غالبية دول العالم، وتحديدًا فى فرنسا والاتحاد الأوروبى. وبعد أن دعا مسئولون، أبرزهم الرئيس الفرنسى ورئيس المفوضية الأوروبية، إلى توزيع «منصف وعادل وشامل» للقاح، حال التوصل إليه. وبعد اتضاح أو افتضاح أن المجموعة تتلقى دعمًا حكوميًا، عادت «سانوفى» خطوة أو خطوتين إلى الوراء، وزعم سيرج واينبيرج، رئيس مجلس إدارتها، أن تصريحات الرئيس التنفيذى «تم تحريفها»!.
للقناة التليفزيونية الفرنسية الثانية، قال واينبيرج: «لن نمنح أى دولة دفعة مقدمة». وتعهد بأن يصل أى لقاح مضاد لكورونا، بمجرد الموافقة عليه، إلى كل بقاع العالم فى وقت واحد. غير أن هذا الكلام النظرى، سبق أن أوضح المدير الفرنسى لـ«سانوفى» أوليفييه بوجيلو، أنه يمكن التحايل عليه عمليًا، وأكد أن اللقاح لن يكون متوافرًا فى الولايات المتحدة وفى فرنسا وفى الاتحاد الأوروبى، فى الوقت نفسه، إلا إذا عمل الأوروبيون بالسرعة نفسها التى يعمل بها الأمريكيون!.
الولايات المتحدة، بحسب بوجيلو، قدمت، ووعدت بتقديم مئات ملايين الدولارات لمجموعة «سانوفى»، وقامت بتسهيل الخطوات التنظيمية والإجرائية. أما فيما يتعلق بالأبحاث ذاتها، فقد أكد الرجل، وهو كما قلنا المدير الفرنسى لـ«سانوفى»، أنه يتوقع ظهور اللقاح خلال فترة تتراوح بين ١٨ و٢٤ شهرًا، ما يعنى أن اللقاح لن يكون متاحًا، بشكل اقتصادى، إلا فى النصف الثانى من سنة ٢٠٢٢ أو فى النصف الأول لو كنت متفائلًا.
هؤلاء هم الأمريكيون، وتلك هى طبيعة عملائهم أو أتباعهم، على اختلاف جنسياتهم. يتحدثون عن الخير للآخرين، لكن الوجه الآخر يظهر فورًا إذا كان هناك مساس بمصالحهم، التى لا تتصالح أبدًا مع أى مصالح أخرى. إنهم الأعلى والأولى، ولا بد أن يتفوقوا على الحلفاء أو الأصدقاء قبل الأعداء أو الأعداء المحتملين. ولا يمكن أن يسمحوا لهؤلاء أو هؤلاء، أو آخرين، بالتفوق عليهم أو التساوى معهم، أو بأن يربطوا حمارًا إلى جوار حمارهم أو رئيسهم!.
الشركة الفرنسية واحدة من كبريات الشركات العالمية المتخصصة فى تصنيع اللقاحات، وبدأت العمل على تطوير اللقاح منتصف فبراير الماضى. ووقتها، قامت بالتوقيع على اتفاق تمويل جزئى مع صندوق الأبحاث والتطوير الطبى الحيوى (بادرا) التابع لوزارة الصحة الأمريكية. وطبقًا لما ذكره بول هادسن، رئيسها التنفيذى، فى حواره مع وكالة «بلومبرج»، فإن المساهمات المالية التى قدمتها الولايات المتحدة تمنحها «حق الحصول على الطلبيات المسبقة» وتتيح لها أيضًا الاستفادة من اللقاح قبل أيام أو أسابيع من باقى دول العالم.
الدوافع المالية منطقية طبعًا وطبيعية، وطبيعى ومنطقى أن تسعى الشركة، كما كل شركات الأدوية العملاقة إلى تحقيق أرباح. لكن ما لم يقله الرجل، واتضح بعد ذلك، هو أن الشركة حصلت على ١٥٠ مليون يورو من عائدات الضرائب فى فرنسا!.
هنا، قد تكون الإشارة مهمة إلى أن المفوضية الأوروبية جمعت تبرعات قيمتها ٧.٤ مليار يورو «حوالى ٨.٢٥ مليار دولار» من ٤٠ دولة، ليست من بينها الولايات المتحدة، لدعم جهود التوصل إلى لقاح وعلاجات للوباء. والأحد الماضى، ذكرت المفوضية، فى حسابها على «تويتر»، أن سبع دول أوروبية أطلقت مشروعًا موحدًا يشارك فيه «أفضل العقول من الباحثين فى المجالات التقنية والطبية وعلوم الأحياء المرتبطة بالطب»، ويضم عددًا من شركات الأدوية العملاقة، والخميس، أعلنت الوكالة الصحية التابعة للاتحاد الأوروبى أن اللقاح قد يكون جاهزًا خلال سنة، استنادًا إلى المعلومات المتوافرة حاليًا عن الأبحاث الجارية.
بالتزامن، طالب حوالى ١٤٠ شخصية، من بينهم رؤساء دول وحكومات، بأن تكون لقاحات وعلاجات فيروس كورونا المستجد «مجانية للجميع». ودعوا، فى رسالة مفتوحة، وزراء الصحة، الذين من المقرر أن يعقدوا اجتماعًا افتراضيًا، خلال أيام، هو الاجتماع السنوى للدول الأعضاء بمنظمة الصحة العالمية، إلى «تبنى قضية اللقاح للجميع ضد هذا المرض بشكل عاجل»، مؤكدين أن اللقاح هو «أفضل أمل لوضع حد لهذا الوباء العالمى المؤلم».
العالم، الذى حولته ثورة الاتصالات إلى قرية صغيرة، تحوّل، بعد تفشى وباء «كورونا المستجد» إلى غابة كبيرة، تحاول فيها الولايات المتحدة أن تأكل كل دول العالم، لكى تكون وحدها على القمة، دون شريك أو منافس. وتقاتل بشراسة لكى يظل حلفاؤها، قبل أعدائها، فى أماكنهم، وألا يطمحوا إلى مكان أفضل، أو يطعموا فى دور أكبر.