رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأربعاء 05 أغسطس 2020 الموافق 15 ذو الحجة 1441
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
وائل خورشيد
وائل خورشيد

وائل خورشيد يكتب: أحيانا نكذب من شدة الصدق

الخميس 07/مايو/2020 - 11:51 م
طباعة
نتغير.. ننفصل عن ذاتنا ونندمج وتتقلب نفوسنا بشكل غريب وهادئ، دون أن نشعر حتى، يحدث هذا في الخفاء، كأنما مؤامرة تحدث من حولنا حتى نفاجأ بالنتيجة.

كنت أتابع أمي بينما تعد «خلطة المحشي» رأيت هذا التغيير الذي يحدث على نارٍ هادئة، حيث يختلط الأرز بالصلصة والملح والمكونات الأخرى، كل شيء يتم بهدوء حتى يتحول كل مكوّنٍ لشيء آخر، وكلما أدخَلَت عنصرا جديدا تغير المذاق، والنتيجة شيء آخر غير ما كان.

أحيانا تظن أنك عصيّ على التغيير، تعتقد أن لا شيء يؤثر في تكوينك بسهولة، ولا يمر عرض جديد على شخصك إلا إذا كنت أنت من فتحت له الباب، تبقى كذلك حتى يقول لك أحدهم: أنت تغيرت!

فوجئت أني أصبحت حادا في رفض أمورٍ كنت أؤيدها، ومتقبل لأشياءٍ كنت أرفضها، ومازالت أشعر أني لم أتغير!

مؤمن جدا بأن كل واحدٍ منا جيد حتى يختبر. أبدا لا تعتقد أنك ناجٍ. كلنا نتبدل، فقط أن تجد الفتنة ضالتها لنفسك. النافذة المفتوحة التي تدخل منها.

هناك أحداث فاصلة تؤدي لنقلات في حياتنا، أنا أذكر بعضها، وطوال الوقت أحاول أن أتعلم النجاة منها، والاستفادة، يمكنني أن أعُدُها على أصابع يدي، أعرف كل واحدٍ منها، وماذا فعل في تكويني.. لكن المشكلة في بعضها الذي لا أعرفه!

حينما نعرف ما يغيرنا ويكون قرارنا أن نغير شيئا محددا في نفوسنا، أن ننجو بأنفسنا من ركودٍ أو سوءةٍ نتعايش معها، فإن هذا خيارنا، ولكن أحيانا تحدث أشياء مثل «خلطة المحشي»، معطيات جديدة تدخل، ومناخ عام مختلف، وهمسات مثل السحر تظل تطرق وتطرق على نفوسنا، ونحن نحبسها بداخلنا، ونظن أن لا شيء يؤثر فينا قد حدث، حتى نرى الصورة التي وصلنا لها بعد حين.

لن تعرف أنك تغيرت أبدا إلا إذا هدأت وراجعت نفسك، إذا أمكنك الخروج من نفسك والنظر إليها من بعيد. إذا تذكرت نسخة قديمة منك كانت جيدة.

مريض الفُصام يرى أشياءً غير حقيقية، ولكنه يظن أنها كذلك، مهما حاولت أن تخبره أن ما يدعيه لم يحدث، فهو لن يصدق، كما قال نزار قباني: «لقد كنت أكذب من شدة الصدق». فهو يصدق جدا ما يراه. نحن نصدق أننا لم نتغير، ولكن في الحقيقة تغيرنا، وعند أول اختبار نفاجأ بأنفسنا!

بالطبع - لمن يتساءل - سياق عبارة نزار قباني التي اخترتها مختلف القصيدة، ولكنه يؤدي لنفس المعنى.

أرى الناس من حولي كيف تتبدل فطرتهم مع مرور، كيف يختلقون الأكاذيب ويصدقونها ليتعايشوا بالصيغة التي تريحهم. قد ترى شبانا أكلت المبادئ من نفوسهم وشربت وتشبعت، وإذا صاروا رجالا تبدل كل شيء، حتى قد يتحولون لمحتالين في سبيل المصلحة. وبعضهم يتمسك بمبادئه للدرجة التي تجعله يتجاوز المنطق ليؤكد أنه على صواب. هذا خطأ وهذا خطأ.

أحيانا مثلا قد تحب فتاة، وينتهي الأمر، تخبر نفسك أنه انتهى، ثم تفاجأ حينما تراها وتنظر في عينيها، أن النار اشتعلت من جديد، وحينما يكلمها أحدهم أنك تغار، أنت بالمنطق وبالحسابات العقلية موقن تماما أن الأمر انتهى، لكن شيء ما تسرب لنفسك لم يدرك ذلك، ويطول الأمر قدر ما يطول، حتى تحسمه. سيقول آخرون أنت مازلت تحبها، وأنت ترد: لا.. ليس حقيقي!

توازن نفوسنا - وهو صعب التحقيق - الشيء الوحيد الذي قد يحمينا من التقلبات العنيفة.

ربما التغيير ليس سيئا دائما، ربما تتغير للأفضل. ولكنها مقامرة غير محسوبة، لأن شيئا ما يسري في نفسك أنت لا تعرف نهايته. ومن خبرتي القليلة في الحياة، أعتقد في أن «ترك الحبل على الغارب» سيغيرك للأسوأ، لأن عادة الناس أن تُقبل على ما فيه الخير لها، دون مراعاة لحقوق الآخرين، وهذا يحدث تدريجيا، تستحل لنفسك ما ليس لك، ثم تخبر نفسك أنه لك، ثم تتمادى، لو أنك لا تملك نقطة توازن، شخصا ما يرشدك، إيمان ما، مراية ترى فيها انعكاس نفسك، فلن تنجو أبدا.

حينما تكون في البحر، لو تركت نفسك للموج، ستغرق، هذا شيء بديهي، تحتاج أن تسبح، وتقاوم، لتنجو، ثم تتعلم كيف تعيش مع البحر وتأكل منه، دون أن يبتلعك.

هكذا تختبرنا الحياة.