رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 25 مايو 2020 الموافق 02 شوال 1441
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

الهوية الصادقة للكنيسة القبطية

الثلاثاء 05/مايو/2020 - 10:35 م
طباعة
أعتاد أقباط مصر بداية فترة صوم الميلاد فى يوم (25 أو26 نوفمبر) لمدة 43 يوم ينتهى بعيد الميلاد المجيد. فى 7 يناير الموافق 29 كيهك. وكلما تقترب فترة عيد الميلاد وأيضاً فترة عيد الفصح (القيامة) ينتاب المخلصون للكنيسة الخوف من خطر تفكك الكنيسة القبطية وتغيُر هويتها بسبب الأصوات – غير المسئولة – التى ترتفع بضرورة تغيير موعد عيد الميلاد الذى نحتفل به نحن الشرقيون منذ قديم الأزمان فى 29 كيهك وهو التقويم الشرقى، ويريدون تغيير موعد الأحتفال لنحتفل به مع الغربيين فى 25 ديسمبر!! ثم الطامة الكبرى فى تثبيت موعد عيد القيامة – مع الغربيين أيضاً – مخالفين بذلك قوانين مجمع نيقية فى القرن الرابع الميلادى والحساب الدقيق لتحديد موعد العيد الذى وضعه آباء كنيسة الإسكندرية فى العصور الأولى منقادين بروح الله لتقواهم الشديدة وطاعتهم لقوانين الكنيسة. فالكنيسة القبطية لها تعاليمها وطقوسها وتقاليدها وتاريخها، كنيسة عريقة جداً من الصعب أنها تلهث وراء كنائس غربية أخرى مختلفة عنها فى كل شئ. أبسط مثال هو ما حدث فى هذه الأيام. فطبقاً للمنطق ولقوانين مجمع نيقية المسكونى المنعقد عام 325م أن عيد القيامة يأتى بعد الفصح اليهودى، فالسيد المسيح تم صلبه بعد الفصح اليهودى وفى اليوم الثالث – طبقاً للعقيدة المسيحية – قام من الأموات. فى هذا العام أتى الفصح اليهودى يوم الخميس 16 أبريل 2020 والكنيسة القبطية أحتفلت بعيد القيامة يوم الأحد 19 أبريل، بينما الكنيسة الكاثوليكية (كنيسة روما) أحتفلت يوم الأحد 12 أبريل!! بأى منطق يكون هذا؟ العام القادم كنيسة روما ستحتفل بعيد القيامة قبل الفصح بأسبوعين!! وفى العام الذى يليه سوف تحتفل بعيد القيامة قبل الفصح اليهودى بثلاثة أسابيع!! ثم فى العام التالى سوف تحتفل قبل الفصح اليهودى بأربعة أسابيع!! ثم بعد ذلك يتفق أحتفالها مع الكنائس الشرقية، ثم يعود الأختلاف مرة أخرى!! وبرغم هذه المخالفات نجد أسقف الإسكندرية يهرول – بدون روح كنسية صادقة - وراء كنيسة روما ويقترح موعد محدد للأحتفال بالعيد مخالفة للمنطق والقوانين الكنسية. لابد أن يفعل هذا بعد مخالفات 4 نوفمبر 2012!!
أتذكر فى عام 1969 أن أصدر الفاتيكان "وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح" وللأسف كان الدافع وراء إصدار تلك الوثيقة المشئومة هو دافع سياسى بحت. لكن كان على رأس الكنيسة القبطية بطريرك تقى وشجاع وناسك وملتزم بتعاليم الكنيسة دون أدنى مجاملات، هو البابا كيرلس السادس (1959 – 1971) البطريرك 116 وكان معه مجمع مقدس قوى يضم مجموعة من علماء الكنيسة الأفاضل بالإضافة إلى مجلس ملى سكندرى قوى يضم مجموعة من المستشارين والمحامين وأساتذة الجامعات ذو معرفة حقيقية وكان جميعهم يعملون بروح الفريق الواحد تحت القيادة الروحية للبابا كيرلس السادس. فصدر عن كنيسة الإسكندرية بيان يدحض تلك الوثيقة المشئومة وأرسلوها للفاتيكان وبقية كنائس العالم. ولما كانت كنيسة الإسكندرية لها مكانتها المتقدمة على بقية كنائس العالم بسبب تاريخ وأيضاً قوة شخصية بطاركتها الأتقياء، فقام الفاتيكان بسحب وثيقته هذه. وبذلك أنقذت كنيسة الإسكندرية العالم كله من تلك الوثيقة الكاذبة.
وعلى مر العصور كانت لكنيسة الإسكندرية كلمتها العليا بدون مجاملات أو حسابات شخصية، بل كانت أفعالها مستندة على القوانين التى أستقرت بالمجامع المقدسة وأيضاً روح الكتاب المقدس، أنظروا إلى أعمال البابا ديمتريوس الكرام البطريرك 12، والبابا أثناسيوس الرسولى البطريرك 20، والبابا كيرلس عمود الدين البطريرك 24، والبابا ديسقوروس بطل الأرثوذكسية البطريرك 25، والبابا كيرلس السادس البطريرك 116 رجل الصلاة. وهذا ما ذكرته بكل أمانة وبضمير صالح للقائمقام البابوى فى لقاء 11 مارس 2012 ولمدة 3 ساعات ولكن حدث ما حدث!!
يقول الباحث القبطى والمهتم بشأن كنيسته والمتخصص فى القوانين الكنسية سيادة المستشار وليم سليمان قلاده فى حوار له مع د. عمرو عبد السميع: فى ستينيات القرن الأول جاء القديس مرقس إلى مصر ونشر المسيحية، والتأم المصريون – منذ البداية – فى كنيسة محلية تجمعهم وتعلمهم وتحتضنهم فى مواجهة الاضطهادات العديدة. من الممكن ان نعتبر أن الكنيسة المصرية كانت "مستقلة" فى بلد "مُستعمر"، فمصر كانت ولاية تابعة لروما، ثم تابعة لبيزنطة، ولكن الكنيسة المصرية كانت مستقلة، رئاستها فى مصر، ولا تتبع أية كنيسة فى العالم. أتصور أن المصريين فى أعماقهم، أو عقلهم الباطن كانوا يريدون أن تكون بلادهم ككنيستهم مستقلة! لقد ظل سمت الاستقلال مهيمناً على كل أنشطة الكنيسة المصرية خلال هذه الآونة، ودخلت به هذه الكنيسة المعارك الدينية والمعارك الوطنية فى مواجهة الخارج. كان بطاركة الكنيسة القبطية هم الزعماء المعبرون عن مصر كلها، وشملت طقوس الكنيسة من بدايتها وحتى اليوم، فى كل قداس صلوات مخصوصة من أجل أرض مصر وزروعها وثمارها وشعبها، وهى صلوات شعر تُعبر عن الأفتئان بجمال مصر، وتوجه الشعب إلى الانتماء إلى هذه الأرض، والتعب من أجلها، وخدمتها الخدمة الحقيقية، وتوزيع المحصول بالعدل، أى أن الكنيسة خلعت البُردة الدينية على العمليات الاقتصادية والانتاجية، بحيث أخذ الانتماء إلى مصر منذ البداية طابعاً دينياً، حين كانت خدمة البلد هى واجب دينى يُحاسب عنه المؤمن أمام الله، ثم كان بطاركة الكنيسة المصرية بحكم خلفيتهم العلمية اللاهوتية يتصدون بالمواجهة لـ "الخارج" أيضاً. ففى البداية أنشئت مدرسة إكليريكية لاهوتية فى الإسكندرية، لأن الإسكندرية كانت خليفة أثينا التى تضم كل الفلاسفة والعلماء اليونانيين، بعد أن صاغها الإسكندر الأكبر على هذا النحو كمركز ثقافى ومن بعده البطالمة، ومن هنا كانت الكنيسة المصرية تواجه فى الإسكندرية تحدياً فكرياً حقيقياً، ونهض علماؤها منذ البداية بمهمة المواجهة مع هؤلاء الفلاسفة، وحقق العلماء الأقباط الكنسيون أعلى مستوى من استيعاب الفكر اليونانى والفلسفة الإغريقية، وكانت الأسماء العظيمة المشهورة: إكليمندوس، أوريجانوس، بانتينوس من آباء الإكليريكية اللاهوتية فى الإسكندرية الذين تتلمذ الأساقفة والبطاركة من الكنائس الأخرى عليهم، وبحكم هذه الخلفية، وهذه المكانة، كان البطاركة المصريون يرأسون المجامع والمؤتمرات المسكونية التى تبحث فى أمور العقيدة، وفى أمور الدين، وكانت لهم مواقف أثارت اعتراض ومقاومة كنائس الدول التى تستعمر مصر. ومن هؤلاء شمامسة شبان أمثال أثناسيوس ذى الخمسة وعشرين ربيعاً، الذى عبر عن الرأى المسيحى السليم بحزم فى مثل هذه المجامع، بما أثار روما وبيزنطة. بل أن بطريرك الإسكندرية ذهب إلى عاصمة الإمبراطوية فى بيزنطة وحرم بطريرك الإمبراطورية، وقام بترحيله إلى مصر فى أخميم حيث دُفن هناك. كانت الكنيسة القبطية تعبر عن الشموخ المصرى فى مواجهة الخارج، لدرجة أنها تعرضت لمؤامرة عام 451م فى مجمع مشهور اسمه "خلقيدونية"، طُردت الكنيسة المصرية فى نهايته، وطُرد بطريركها "ديسقورس" من المسيحية العالمية. كنيسة بهذا الماضى وهذا الرسوخ لابد أن تكون مستقلة فى تعليمها، وفى وجدانها، فهى كنيسة ليست وافدة.
أرجو من الذين ينخرون فى جسم الكنيسة من أساقفة وكهنة أن يتوقفوا عن مساعيهم الفاشلة التى ستؤدى حتماً إلى تفكك الكنيسة وتغيُر هويتها، فلن نترك لأولادنا كنيسة قوية. فلتكن لدينا اليقظة للتصدى لتلك الأفكار المُدمرة