رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 03 شوال 1441
ثروت الخرباوي
ثروت الخرباوي

الإلحاد في بلاد المسلمين

الثلاثاء 28/أبريل/2020 - 05:18 م
طباعة
منذ فترة وحالات كثيرة من الشباب الملحد تقابلني، وحينما أجلس مع هؤلاء الشباب أجدهم قد وقعوا في حيرة بسبب ما يُنقل لهم عن الإسلام، وكلهم يسأل: هل يمكن أن يكون الدين الذي أنزله الله على رسله هو هذا الدين الذي يخالف في كثير من أفكاره العقل؟ إذا كان هناك إله كما تقولون، وهذا الإله خلق لنا عقولنا، فهل يمكن أن ينزل لنا دينا يتعدى على عقولنا ويخالفها؟! وفي إحدى الندوات منذ شهور سألني أحدهم: لماذا انتشر الإلحاد في بلادنا حتى أصبح ظاهرة؟ فما كان مني إلا أن قلت له: بسبب "المُنْتَج الديني" الذي يتم تقديمه للأمة منذ عشرات السنين، والمنتج الديني الذي أقصده ليس هو الدين، ولكنه رؤية المسلم للدين، فإذا كانت الأجيال القديمة قد أفلتت من الإلحاد مع أن الخطاب الديني هو هو فذلك لأن تلك الأجيال تعلمت وتربت وكبرت من خلال مدرسة النقل والحفظ والتقليد، أما في زمننا هذا فإن الجيل الحالي خرج إلى الدنيا من خلال مدرسة التفكير والحوار والمعارضة والرفض، فهل يمكن أن يقبل العقل النقدي ما قبله من قبل العقل النقلي؟!.
نحن الآن يا صديقي نعيش مع أجيال ترفض الاستبداد، فإذا بنا نقدم الدين لهم على أنه دين افعل ولا تفعل، ومع ضعف العقل العربي إذا بمساحة "لا تفعل" تصبح هي المساحة الكبرى، كل شيئ غير مباح، وإلا فالمصير هو النار وبئس المصير، أما الله فهو المستبد الأكبر الذي صنع النار حتى يُدخل فيها من خلقهم ولم يطيعوا أوامره، وهو هذا الإله الطاغية الذي طلب من رسوله أن يحارب الدنيا كلها ويقاتلهم ويقتلهم إن رفضوا دخول الإسلام، ولأنه يحب من أطاعوه لذلك خلق لهم جنة الخلد، هي المقر الأخير لجنوده المطيعين يغنمون فيها بالحور العين، ولتأكيد هذه الصورة خرجت للحياة عشرات من النصوص المزيفة التي تؤكد تلك المعاني، وكلها كانت من أحاديث منسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا بنا أمام حديث يقول:" بعثت بالسيف بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي"! وبذلك تكون أرزاق المسلمين مرتبطة بالقتل والذبح والدماء والسيف والرمح، وهذا حديث أكاد أقسم أن الذي وضعه أحد المنافقين الأنطاع الذي أراد أن يسيء لصورة الرسول صلى الله عليه وسلم وأن يهدم أحد الأسس الرئيسية للإسلام، فالإسلام هو دين الرحمة لا دين القتال، هو دين السلام لا دين القتل والعداء، بعث الله رسوله بالهدى ودين الحق، بعثه متمما لمكارم الأخلاق لا محاربا باحثا عن الأرزاق تحت نصل السيف، بعثه الله كما قال في كتابه الكريم "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" فكيف لرسول الرحمة أن يظل حاملا للسيف أبد الآبدين بحيث يكون رزقه من حمله للسلاح وكأنه قاطع طريق!.
يقرأ الشاب من هؤلاء الحديث المنسوب للرسول صلى الله عليه وسلم والذي دسه أحد المنافقين الأشقياء على جامعي الأحاديث والذي يقال فيه:"أمرت أن اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى"! فيقع هذا الحديث المزور على الشاب من هؤلاء موقعا سيئا ويظن أن هذا هو أحد نصوص الدين وما هو منه ولا حتى من القريبين منه، إذ كيف ذاك والله سبحانه يقول في كتابه الكريم إن دور الرسول هو التذكير فقط لا الحرب والقتال "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر" ليس على الرسول إلا أن يبلغ الرسالة للناس أما الهداية فهي من عند الله كما قال سبحانه"وما على الرسول إلا البلاغ المبين" أما الهداية فالله قال عنها "ِإنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" كيف يأمر الله رسوله بقتال الناس وهو الذي قال له "لا إكراه في الدين"؟ أيطلب منه قتال الناس مرة حتى يؤمنوا ثم يقول له مرة أخرى لا إكراه في الدين؟ كيف يأمره بالقتال وهو الذي قال له "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" وإذا قرأنا آيات القتال في القرآن فسرها البغاة على أنها دعوة لغزو الأرض وقتال أهلها مع أنها كلها تدور حول الحروب الدفاعية مصداقا لقوله تعالى:" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين".
وعندما تجلس يا صديقي مع أحد الشيوخ المستنيرين لا تجده يُكذب هذه الأحاديث أو يرفضها ولكنه يسعى فقط إلى تجميل الصورة وتبرير الحديث، وكلما كانت استنارته أكبر كلما كان تبريره أرق وأهدأ وأوسع حيلة، يلقي كلماته وهو يبتسم، ويسوق عشرات النصوص التي تؤكد أن الإسلام دين الرحمة، وفي ذات الوقت يصر على صحة هذه الأحاديث الداعية للقتال مع أنها مروية من بشر يرد عليهم الخطأ والنسيان والنفاق، ولكننا نتحول إلى عبيد لهذه النصوص مع عدم صحتها، فلطالما قطع القدماء بصحة هذه الأحاديث فلا سلطان لنا عليها ولا طاقة لنا بتكذيبها.
وإذا ما قرأ الشاب من هؤلاء كتب التفاسير الأولى التي أعطيناها مكانة عليه تجدها وقد احتوت على أساطير مستمدة من علوم الأولين، فالأرض فيها مسطحة، وهي مركز الكون كله، والدنيا تدور حولها، يقرأون "والشمس تجري لمستقر لها" على أنها تدور حول الأرض المسطحة! والدنيا محمولة على قرني ثور وجسم حوت، وسيدنا آدم كان طويلا جدا لدرجة أنه كان يضع يده في البحر فيخرج حوتا فيرفعه إلى السماء لتصل يديه إلى الشمس فيشويه ثم يأكله، وأشياء أخرى لا يمكن لعقل أن يصدقها، ولأن المفسرين الأوائل حصلوا على قداسة من أجيالهم وأجيال تلتهم لذلك أصبح كلامهم وكأنه هو كلام الله، وإذا أردت أن تدحض تفسيرهم للقرآن وتأويلهم لآياته وتقول إنه إنتاج بشري محض من عقول محدودة ومرتبطة بأساطير قرونهم ولا علاقة له بالنصوص الدينية الصحيحة وقف أمامك بعض الأنطاع يقولون لك: احذر يا أخي فإن لحم العلماء مسموم!.
فإن كنت تعتمد يا صديقي على التفاسير في فهم القرآن الكريم، فاعلم أن ما تقرأه للمفسرين ليس قرآنًا ولا دينا وليس له أي وجه من الإلزام، إنما هو يا صديقي مجرد أفكار خرجت من عقل بشري ناقص، لنا أن نرفضها ونلقي بها في قاع البحر، ولكن الكارثة أن المدارس والمعاهد الدينية تعطي هذه التفاسير منزلة كبرى وتدافع عن الخرافات التي وردت فيها، ومن أسف أن كل الفهم الخاطئ للإسلام نتج من الأحاديث المزورة والتفاسير الأولى للقرآن، هذه هي الإساءات الحقيقية التي لحقت بالإسلام، هؤلاء هم من أساءوا للدين، هؤلاء هم من نقلوا لنا صورة مزيفة للرسول صلى الله عليه وسلم، هؤلاء هم من تسببوا في إلحاد الشباب، فتبا لهم إلى يوم الدين.