رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأربعاء 27 مايو 2020 الموافق 04 شوال 1441

محمد الفخراني: القصة من الجمال بحيث لا تحتاج لمن يدافع عنها

الخميس 02/أبريل/2020 - 03:04 م
محمد الفخراني
محمد الفخراني
نضال ممدوح
طباعة
ربما يكون "محمد الفخراني" هو الكاتب المصري الوحيد الذي لا يملك حسابًا فيس بوك٬ أو أيا من حسابات التواصل الاجتماعي٬ اللهم إلا بريد إلكتروني يتواصل من خلاله. في مقال له يقول "الفخراني" عن فن القصة:"أُحبهما بالدرجة نفسها، وأشعر مع أىّ منهما بحالة الفرح التى أشعرها مع الأخرى، لكنى أقول هنا كلامًا لطيفًا للقصة، ليس دفاعًا عنها، فهى من الجمال بحيث لا تحتاج لمن يدافع عنها، كلامى أيضًا ليس فى مواجهة الرواية، فهى من الجمال بحيث لا يمكن كتابة شىء بمواجهتها، هما صديقتىَّ الجميلتين، وتُمثِّلان لى مع أشكال السرد الأخرى عالم الكتابة، والكتابة فكرة تُجمِّل العالم.

صدر للفخراني خمس مجموعات قصصية: بنت ليل عام 2002. قبل أن يعرف البحر اسمه عام 2010. قصص تلعب مع العالم عام 2011. طُرُق سرية للجموح عام 2013. عشرون ابنة للخيال عام 2017. في لقائه بــ"الدستور" يكشف محمد الفخراني عن عالمه الإبداعي٬ خاصة فن القصة القصيرة٬ وآفاق مستقبله.


ــ ما الذي لفتك إلي الإهتمام بالقصة القصيرة؟ وكيف بدأت تجاربك الأولي في كتابتها؟
أفكر أنى كتبتُ أولًا، الرغبة فى الكتابة كانت كل شىء، ثم تجد المتعة، أو تكتشفها، فى البداية تكتب لتحاول أن تفهم ما تحمله بداخلك، الأمر يبدأ من داخل الكاتب.
عن ما يلفت الاهتمام فى كتابة القصة، يمكن الحديث عن عصب الروح المشدود، والمتألِّق، لأقصى درجة طوال لحظة القصة، وعن رغبتى ككاتب أن أجعل من العلاقة بينى وبين كل قصة أكتبها حالة حب، كأن بينى وبين كل قصة أكتبها قصة حب، وهذا حقيقى بطريقة ما.
القصة شابة ذكية، جميلة، متمردة، لا تكبر فى العمر، يمكنها أن تخطف حياة كاملة فى طرفة عين، وتخترع عالمًا بضحكة واحدة منها.
يمكن لأىّ أحد يقرأ القصة القصيرة أن يرى أن لها روح حية، مفتونة بالحياة والبقاء، كما أن الحياة مفتونة بروحها.
التجارب الأولى بدأتْ بقصص عن نماذج إنسانية لفتَتْ نظرى فى الشارع، والحياة، ظللتُ أحملها بداخلى طوال الوقت بتفاصيلها، وأُضيف إليها من تفاصيلى الشخصية، وروحى، نماذج أحببتُ الكتابة عنها، ولمسَتْ شيئًا بداخلى، عندما أكتب عن شخصيات الشارع أشعر أنى أكتب عنى بشكل مباشر، عن شىء عميق داخل روحى، وامتدادات إنسانية لى.

ــ هل قرأت شيئًا عن أصول هذا الفن القصصي أو طرائق كتابته؟
لا، لم أفعل، أفكر أن من أسوأ الأشياء التى قد يفعلها كاتب هى قراءة كتب عن "طرائق الكتابة"، من الممكن أن أقرأ مقاطع عن تجربة كتابة، أفكار حول الكتابة، يشبه هذا أن أتحدث عن الكتابة، والحديث عن الكتابة من أكثر الأشياء التى تسعدنى، لكن كتب عن "طرق الكتابة"، هذا سىء جدًا، أفكر أن الكاتب كى يكتب فإنه يحتاج ثلاثة أشياء أساسية: رؤية للعالم، تجربة إنسانية، وروح حرة.

ــ ما الذي يجعلك تختار إطار القصة القصيرة للكتابة دون غيره من أطر التعبير الأدبي؟ هل يتعلق الأمر بحالتك النفسية أم بطبيعة الموضوع الذي تعالجه ؟ أم أن إمكانية النشر هي التي توجهك إلي هذا الإختيار؟
الأمر يتعلق بالفكرة، والنقطة التى أقف فيها على خَطِّى الأدبى، أحيانًا عند نقطة ما أفكر أنى أحتاج مجموعة قصصية، أو أرغب فى كتابة القصة، أو ربما تأتينى بشكل مفاجئ فكرة فى شكل مجموعة قصصية، أو قصة مفردة، للأمر أيضًا علاقة بمزاجى الشخصى، الذى اِعتاد أن يكون متوافقًا مع حالة الكتابة لدىَّ، أو أنه صار متوافقًا معها بالتقدُّم فى التجربة.

ــ ما الذي تهدف القصة القصيرة عندك إلي توصيله للقارئ؟ وهل تتمثل قارئك وأنت تكتب؟ ومن قارئك؟
أفكر أنى أريد فى البداية أشياء لقصتى نفسها: أن تشعر القصة أنها جميلة، ممتعة، بها شىء مختلف، لديها ما يخصُّها وحدها، أحب أن تشعر قصتى أنها لائقة للخروج للسهر، والمشى فى الشوارع، والتجوال فى العالم، أن تشعر هى أولًا بالرضا عن نفسها.
وللقارئ، أفكر له فى إدراك شىء جديد عن العالم، وعن نفسه، أفكر له فى مزيج من المتعة، الجمال، الدهشة، أن أترك فى روحه كلمة، جملة، فكرة، إحساس.
أحب أن أصف الكتابة بأنها: فكرة تُجمِّل العالم.
قارئى؟ ليس لدىَّ قارئ مُتخيَّل، بصفات محددة، أو شىء من هذا، لا أمانع أن يقرأنى السمك فى المياه والطيور على الأشجار والنجوم فى السماء وحيوانات الغابة، وجميع الإنس والجن، أقول لك، أنا أكتب، ولتُقابل كتابتى أىّ أحد فى أىّ مكان فى أىّ وقت بأية طريقة.

ــ ما مدى الزمن الذي تستغرقه كتابتك لإحدي القصص القصيرة؟ وهل تواجه أحيانا بعض الصعوبات في أثناء الكتابة؟ مثل ماذا؟
وقت قصير، ربما دقائق، ساعة، ليلة، أغلب القصص التى كتبتُها انتهت فى ليلة واحدة، ولا يتبقَّى غير أن أتعامل معها فى اليوم اللاحق لأضيف بعض الرتوش، أو لأثير جنونها الفنى.
أذكر أنى كتبتُ بعض قصص مجموعتى" قصص تلعب مع العالم" فى الإسكندرية وقت مطر شديد، وهذا أروع طقس يمكننى الكتابة فيه، كنت أتوقف فى منتصف بعض القصص لأكتب أفكارًا لقصص أخرى من المجموعة التالية لها "طرق سرية للجموح"، رغم أنى لم أُخطط لهذا.
بشكل عام، قبل أن أبدأ مجموعة قصصية فأنا أختار فكرة، وأضع مجموعة من القصص التى تدور داخل هذه الفكرة بتنويعات مختلفة، وأبدأ فى الكتابة، أحتشد لها وجدانيًا وعقليًا فى وقت قصير، وأنتهى من المجموعة فى مدة ستة أسابيع أو ثمانية.
لا أحب أن أستغرق وقتًا طويلًا فى كتابة عمل ما، سواء مجموعة قصصية أو رواية، حتى لا أشعر بالمَلَل، أو تملؤنى رغبة فى الانتقال إلى عمل جديد.
لا شىء يهدِّد استكمالى أىّ عمل إبداعى غير أن يتغيَّر مزاجى الشخصى، أو أشعر بملَل ما، وفيما يخصُّ القصة، أو الرواية، أعتقد أن ليست هناك صعوبات، ما دامت الفكرة موجودة، والمزاج الفنى والشخصى ملائم لوقت كاف، فلا مشكلة، فقط ستكون هناك أفكار واختيارات يطرحها النصّ أثناء الكتابة.

-هل استطعت من خلال ممارستك لكتابة القصة القصيرة أن تستخلص لنفسك بعض العناصر الحرفية التي تسعفك عند الكتابة؟ مثل ماذا؟
عندما تمارس شيئًا بحب، فإنه يكشف لك عن روحه تدريجيًا، ويمنحك روحه بالقدْر نفسه.
عناصر الحرفية، سأعتبر أهم شىء فيها أن تخلق لنفسك طريقة للتعامل مع الكتابة، وتفاهمات تخصُّكما، وتتخلَّص بسرعة من الأفكار القديمة، غير الذكية عن الكتابة، مثل ما يُسمَّى "قَفلة الكاتب"، أو أن تتوهم أن النصّ توقف منك بلا حلّ، وبدلًا من ذلك تعرف أنه فقط يُمرِّر لك رسالة، وأنك عندما تصطدم بما يسمى "قفلة"، يمكنك بدلًا من أن تضرب رأسك الحائط أن تنتقل إلى نقطة أخرى داخل النصّ، وستجد أنه "ينفتح" معك هناك، أن تعرف أن الكتابة، رغم أىّ شىء، متعاونة، وفى صفِّك، لو فكَّرْتَ فيها على هذا النحو، فكل شىء يكمن فى علاقة الكاتب الخاصة بالكتابة.
ومع القصة، يمكن للكاتب أن يعرف كيف يجمع العالم فى لفتة واحدة، أن يعزف اللحن وهو واقف على قدميه، وآلات الأوركسترا الموسيقية كلها مُعلَّقة بجسده، أو أن يعزف الأوركسترا كلها بآلة موسيقة واحدة.

ــ هل تهتم في كل قصة قصيرة تكتبها بأن يكون لها مغزي بالنسبة إلي الأوضاع الاجتماعية المعاصرة؟
لا، لا أهتم بفكرة المغزى الاجتماعى، أو باللحظة الراهنة، أفكر دومًا فى فكرة إنسانية، ويمكن لها أن تشمل اللحظة الراهنة بطريقة ما، أفكر لقصتى أن تلمس أى إنسان فى أىّ مكان بأىّ وقت، أن تلمس روح العالم، وتقترح عليه بعض الأفكار ليضُمَّها إلى روحه.

ــ كيف يكون مدخلك إلي القصة القصيرة؟ وهل يتجه اهتمامك إلي الحدث أم إلي الشخصية؟
قبل الكتابة يكون المَدخل لقطة أتصورها، أو جملة تضىء داخل عقلى، أو شىء أكتشفه لأول مرة فى العالم، أو أعيد اكتشافه برؤية جديدة، أو أشياء أخرى.
أثناء الكتابة يكون المدخل جملة سهلة بسيطة تُعبِر عن شخصية القصة، أو تعطى لمحة عنها، أو تُمِوِّه شخصيتها.
كل شىء فى القصة مهم، وبالدرجة نفسها، سواء كان مرئيًا أو غير مرئى، سأهتم بفكرة القصة، فأدفع بلقطات وصور وشخصيات وألاعيب فنية، وبالجُمَل واللغة كلها معًا، وتفاصيل أخرى، لترسم الفكرة، وتُحوِّلها إلى روح ممتعة، سأهتم بما يُسمَّى "فضاء القصة"، وهو بمثابة سماء غير مرئية للنصّ، والعمل على خلق جوّ خاص، حالة ومزاج شخصى للقصة، أو النص عمومًا، داخل سمائه تلك.

ــ هل تعين الزمان والمكان للحدث (أو الأحداث) التي تتضمنها القصة القصيرة أم تتركها بلا تعيين؟
أميل إلى أن أجعل الزمان والمكان بلا تحديد، أىَّ وقت، وأىَّ مكان سيصلحان لأن تحيا فيهما القصة.

ــ هل تري فيما أنجزت حتي الآن من قصص قصيرة أنه يمثل مراحل تطور متعاقبة؟ فإن كان فكيف تري نتيجة هذا التطور؟
نعم، أقول هذا، لكنى لا أتوقف لأنظر بإعجاب، أو حتى لالتقاط الأنفاس، أحب أن أكتب، فليست هناك نقطة للوصول، المدى مفتوح، والأنفاس لا يمكن التقاطها إلا بالكتابة.
مثال لما يمكن أن يكون نتيجة لهذا التطور، أن لدىَّ مجموعة من أفكار لمجموعات قصصية أطمح للبدء فيها، بعضها انتهيْتُ منه بالفعل، أو كتبْتُ فيه، وكل مجموعة تدور فى عالم مختلف، ورؤى متنوعة.

ــ إذا كنت قد انصرفت عن كتابة القصة القصيرة إلي غيرها من الأجناس الأدبية فمتي حدث هذا؟ ولماذا؟
أحب أن أتنقل بين أشكال متنوعة من السرد، لكنى لا أدير "قلمى" عن هذه الفتاة العبقرية.

ــ كيف ترى مستقبل هذا النوع الأدبي؟
وهل العالم بالأساس غير قصص وروايات؟