الجمعة 10 أبريل 2020 الموافق 17 شعبان 1441
مؤمن المحمدي
مؤمن المحمدي

بليز نهمد

الخميس 26/مارس/2020 - 07:33 م
طباعة
ما تيجى نعمل دولة، هى دولة تخيلية أكيد، أنا وإنت جالنا عرض، هـ ناخد ١٠ مليون مواطن، هـ ييجوا بـ شكل عشوائى، وهـ تاخد مساحة من الأرض، تكون مناسبة لـ هذا العدد.
كمان، مش هـ يكون عندنا أى عائق مادى من أى نوع، مادى هنا أقصد بيها فلوس، بس تعالى ننظم الدنيا.
نتكلم مثلًا عن التعليم، خلينا ناخد ملف واحد فى التعليم، المدارس، ونبدأ بـ المدارس الابتدائية، هـ نبنى كام مدرسة؟ ممكن طبعًا تقول: بـ ما إنه ما عندناش مشكلة فى الفلوس، ما نبنى عشرة مليون مدرسة، مش فيه عشرة مليون مواطن؟ يبقى عشرة مليون مدرسة، واضحة يعنى.
طبعًا هذا الكلام عبيط، حقيقى كان نفسى أوصفه وصف تانى، بس هو كلام عبيط، وعبطه أوضح من محاولات التدليل عليه.
كويس، ممكن تكون الإجابة: يبقى نبقى على قد احتياجنا. لو دى الإجابة يبقى يا أسطى ما تجننيش معاك، ما هى دى عاملة كدا زى: له ما له وعليه ما عليه، أنا بـ أسألك أساسًا: إحنا محتاجين كام مدرسة؟
مممم، نشوف، كل سنة بـ يبقى عندنا كام مولود، بـ التقريب طبعًا، ونحدد سعة لـ كل فصل، ونحدد سعة من الفصول لـ كل مدرسة، عشان يكون كل طفل له مكان فى فصل دراسى نموذجى.
عظييييم، قول مثلًا مثلًا يعنى، لقينا محتاجين ألف مدرسة، هـ نطلب فلوس، ونبنى المدارس، ونوفر ما تحتاجه المدارس: من مدرسين ووسائل تعليمية، ووسائل توصيل الأولاد من وإلى المدارس، وخلافه وخلافه.
عظيم، تخيل معايا بقى، جينا فى سنة ما بعد سنوات وعقود من سير الأمور بـ شكل منتظم، قوم فى السنة دى، لـ سبب ما، لقينا الشعب أنجب أطفال، عشر أضعاف المعدل المعتاد.
يعنى سنتين تلاتة، رياض الأطفال اللى عندنا، هـ تبقى مش مستوعبة العدد دا، وخمس ست سنين، المدارس هـ تبقى مش مكفية، نعمل إيه؟ كدا مطلوب مننا عشر أضعاف ما لدينا من مدارس، ثم عشر أضعاف كل حاجة، تمت لـ المدارس بـ صلة.
طيب، وارد نفشل فى دا، وارد نفشل كلية، أو نفشل فى حاجات وحاجات بـ نسب، ووارد ننجح برضه، هو احتمال ضعيف بس وارد.
تمام، خلينا هنا بقى نسأل شوية أسئلة. أولًا: هل لو فشلنا، وتكدست المدارس بـ الطلاب، والفصل اللى فيه عشرين طالب بقى فيه ٢٠٠، أو قدرنا نوفر مبانى، بس مفيهاش مدرسين جيدين، أو أى خلل حصل، هـ يكون دا معناه فشل منظومتنا التعليمية؟
هل دا معناه إننا أخطأنا فى توجيه مواردنا من البداية، وبدل المسرح، كنا نبنى مدرسة، وبدل المسجد والكنيسة، كنا نبنى مدرسة، وبدل الملهى الليلى كنا نبنى مدرسة؟ هل ينفع حد يقول كدا فى ذلك الظرف الاستثنائى؟
طيب بلاش السؤال دا، هل لو نجحنا، وبنينا المدارس المطلوبة، وجهزناها بـ كل المطلوب، وعدت السنة الصعبة دى، ورجعت معدلات المواليد لـ طبيعتها، هل هـ نفضل مشغلين كل المدارس دى، ومحتفظين بـ كل وسائلها، تحسبًا يعنى، إنه يحصل سنة تانية زى دى، بعد مية سنة تانية مثلًا، ولا هـ نحولها حاجات تانية: مسارح ومتاحف ومساجد وكنائس، وملاهى ليلية ومزارات؟
قيس دا بقى على كل حاجة: هو لو بنك مثلًا، عنده مليون عميل، معدل ما يودعه العميل ١٠ آلاف جنيه، يبقى عنده ١٠ مليار جنيه، لو نص العملا قرروا يستردوا فلوسهم حالًا، هـ يقدر يوفر لهم خمسة مليار كاش؟
أو حتى لو وفرهم، هـ يقدر ينظم عملية السحب دى، سواء بـ السحب فورًا من الفرع، أو فى ماكينة الصرف، أو حتى أون لاين؟
مفيش نظام فى الدنيا كلها مؤسس على توفير كل حاجة، لـ كل الناس، طول الوقت. مفيش حاجة اسمها كدا.
فى الدولة الفاضلة التخيلية، اللى أنا وإنت بـ نعملها، مش هـ نأسس عشرة مليون سرير طبى، علمًا بـ إنه السرير الطبى، مش زى سرير البيت أو سرير الفندق، أو سرير أحلام مستغانمى. سرير طبى يعنى أجهزة ومستلزمات وخلافه: جهاز تنفس، جهاز غسيل كلى، جهاز العروسين.. إلخ، فـ أكيد مش هـ نعمل عشرة مليون سرير، مجهزين بـ عشرة مليون من كل جهاز، ماهيش سفينة نوح حضرتك.
حتى لو حبينا نعمل كدا، وتوفرت لنا الفلوس، هـ نبنى كل دا فين؟ ومين اللى هـ يصنع كل دا؟ وهـ يصنعه إزاى؟ وفين الأطباء والممرضين والعاملين اللى هـ يخدموا كل دا ويديروه؟
تانى، مفيش حاجة اسمها كدا، فـ لما ييجى وباء أو جائحة أو ما شابه، ما ينفعش فى اللحظة دى تقيم منظومتك الطبية، أو أى منظومة طبية أخرى، ما ينفعش تقول: ما هو لو كنا صرفنا ع المستشفيات بدال كذا وكذا وكذا، ما لو كنا صرفنا ع البحث العلمى.
ما ينفعش تفكر كدا فى هذه اللحظة العصيبة، كل ما يمكنك فى تلك اللحظة، هو تمنى عبورها بـ أقل الخساير، بعدها لـ كل حادث حديث.
هل دا معناه إنه المنظومات الصحية والطبية فى العالم، كانت زى الدولة الفاضلة، اللى تخيلت إننا بـ نبنيها؟
الإجابة، لأ، بس دا حاجة تانية، موضوع تانى خالص، مش وقته خالص خالص دلوقتى، ثم إنه الدول درجات، فيه دول مقربة من الدولة الفاضلة، ومنظومتها الصحية متينة، وفيه دول ضايعة.
كمان كل دولة ليها ظروفها، وليها نجاحاتها فى مجالات، وإخفاقاتها فى مجالات، ومحتاجة تحسن كيت وكيت، وتشتغل على كذا وكذا، إنما فى النهاية: ما نحن فيه يفوق قدرة أى منظومة طبية مهما كانت.
لما يبقى الناس بـ يصابوا بـ مرض معين، محتاج تدخل معين، بـ معدل أضعاف أضعاف أضعاف الاعتيادى، ما ينفعش تلوم المنظومة الطبية، ما ينفعش، مش هـ يبقى الوبا والغبا علينا، فـ نهمد بقى، بليز نهمد، وبعد ما العالم يعدى اللى إحنا فيه، كله هـ يرجع لـ اللى كان عليه قبلها، والقصة دى هـ تتنسى بـ رمتها، واعتبر دا وعد.
ads