رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 25 مايو 2020 الموافق 02 شوال 1441
أحمد بهاء الدين شعبان
أحمد بهاء الدين شعبان

دروس «كورونا» العظيمة

الأربعاء 25/مارس/2020 - 08:52 م
طباعة
بعد ملحمة شديدة العنف وبالغة الضراوة وعظيمة الكلفة، أعلنت الصين عن انتهاء خطر جائحة فيروس «كوفيد ـ ١٩ المستجد»، حيث توقَّفت الإصابات اللعينة لمواطنين جدد، وتماثلت أعداد مُتزايدة من المرضى للشفاء، وتقدّمت جهود التوصُّل إلى مصلٍ مُضاد، يُحد من غلواء هذا المرض الفتّاك، ويُسيطر على جموحه.

بل إن الصين انتقلت إلى مرحلة جديدة، تضع فيها جِماع خبراتها المُتحصِّلة من محنتها الشديدة التى كلَّفتها آلاف الضحايا والمصابين، ومئات المليارات من الدولارات فى أيامٍ معدودات، إلى مرحلة مساندة الدول والشعوب التى تجد صعوبةً فى مواجهة المحنة لفقر الإمكانات وضعف الخبرة، حيث شاهدتُ تسجيلًا مُصورًا لرئيس دولة «صربيا»، وهو يشكر بتأثرٍ شديد، الصين شعبًا وقيادةً، لمُسارعتها، حتى قبل أن تبلى نهائيًا من آثار المرض اللعين، بإرسال أطقم الأطباء والمُعالجين، مُحملين بالأدوات والأجهزة ومستلزمات العلاج، وقبلها بخبراتهم العظيمة المُكتسبة من هول التجربة، إلى بلاده التى ضربها الفيروس اللعين، ووقفت إمكاناتها وخبراتها حائلًا دون نجاعة المواجهة، فيما تخلّت عنه الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، حينما ناشدها مد يد العون والمُساعدة، وهى التى كان يظن أنها لن تخذل بلاده فى محنتها أبدًا.

وقد بدأت الصين فى طرح نتائج تجربتها ودراساتها لهذا الفيروس على العالم، للاستفادة منها فى تقليل حجم الخسائر وتسريع وقت وجهد وتكاليف الانتصار عليه، فمثلًا أُتيح لى الاطِّلاع على كُتيِّبٍ بسيطٍ، عنوانه «دليل الوقاية من فيروس كورونا المُستجد»، مُترجم إلى لغات العالم ومنها العربية، وهو موجّه للصغار، يشرح، بأسلوبٍ واضحٍ ومفهوم، ومصحوبٍ برسومٍ بديعة، جذّابة ومُعَبِّرة، للصغار، ماذا يعنيه هذا الفيروس، وما يُمثله من خطرٍ على حياتنا، وواجباتنا لمواجهته، والضرورات المُلزمة للانتصار عليه. كما لا شك أنها، فى حال الانتهاء من إجراءات إنتاج الدواء الشافى والتأكد من فاعليته، ستسعى إلى إتاحته للدول والشعوب المحتاجة إليه، ولنقارن هذه المواقف بموقف الرئيس الأمريكى «ترامب» الذى عرض مليار دولار على مؤسسة بحثية ألمانية، لشراء حق إنتاج العلاج الشافى، الذى قطعت المؤسسة شوطًا كبيرًا فيه، مُشترطًا أن تنفرد الولايات المتحدة، وحدها دون شريك، فى استخدام هذا العلاج، دون أن يستفيد منه سواها. وقد رفضت الدولة الألمانية هذا العرض الأنانى فور تقديمه.

ومن المهم الانكباب على دراسة التجربة الصينية فى مواجهة هذا الفيروس الذى باغتها دون إنذار، والاستفادة منها، ولعلنى فى هذا السياق أركز على مجموعة من النقاط بالغة الأهمية، من المفيد إمعان النظر فيها:

أولًا: دور قيادة الدولة و«الحزب الشيوعى الصينى»، وانضباط وتماسك كل مؤسسات البلاد وأجهزتها فى مواجهة الأزمة، دون نشاز أو خروج عن واجب المسئولية، والشفافية والشجاعة فى الإعلان عن الواقع.

ثانيًا: الوعى الجماهيرى الفائق، المبنى على الفهم، والاستيعاب، والثقة بالقيادة، والإيجابية، والجديّة، والالتزام الطوعى، المُثير للإعجاب، لمليار وأربعمائة مليون مواطن صينى، وقبولهم، بلا تَذَمُّر، تنفيذ التعليمات الصادرة إليهم، بما فيها إجراءات العزل التى طالت الملايين، والبقاء فى المنازل، وعدم الاختلاط لفترات ليست بالقليلة.. إلخ.

ثالثًا: كفاءة أجهزة الدولة فى مواجهة مُتطلبات مكافحة الفيروس الصحيِّة «ومنها (معجزة) بناء مُستشفى مُتكامل، يضم ألف سرير فى عشرة أيام!»، وكذلك تلبية حاجات معيشة هذا العدد الهائل من البشر، دون تكالب على تخزين المواد الغذائية.

رابعًا: دور العلم المُتَقَدِّم فى نجاح المواجهة. فقد استخدمت الصين كل مُنجزات العلوم الحديثة والتفوق التكنولوجى فى معركتها، ومنها: الروبوتات، والكمبيوتر الفائق، والطائرات بدون طيار، والعربات ذاتية القيادة، ومُنتجات الجيل الخامس لثورة المعلومات، والذكاء الاصطناعى، وطابعات الأبعاد الثلاثية، وغيرها لتقليل الاحتكاك الُمباشر مع المصابين بالفيروس ومحاصرة آثاره المُميتة، وأيضًا فى تسريع وتيرة التوصل إلى العلاج الشافى.

ويبقى أن أُشير إلى أن الشعوب تتعلم من أزماتها ومحنها، كما تتعلم من نجاحاتها وانتصاراتها، ولا شك أن أداء مصر، حكومةً وشعبًا، ورغم أى ملاحظات، ومع فارق الإمكانات والظروف، كان على مستوى لائق، وساعد- حتى الآن- فى حصار الآثار المُدَمِّرة لهذا الفيروس الفتّاك، وعسانا نستفيد من دروس الصين التى كانت أول المُبتلين بهذا الوباء، وأول المعافين منه.