الأحد 29 مارس 2020 الموافق 05 شعبان 1441
وائل خورشيد
وائل خورشيد

وائل خورشيد يكتب: ما لن تخبرك به الجنية

الخميس 27/فبراير/2020 - 09:55 م
طباعة
لكل حكاية بداية، ولكل قول سبب، وكل فعل على الأغلب هو رد فعل، حتى ما نعتقد أنه الفعل الأول، هو رد فعل شيء ربما لا ندركه، هذا ما أعتقد.

ومن نفس النسيج نسحب خيطا، ونقول إن لكل كاتب سببا، نقطة انطلاق، شيء في ركن، وروح في مكان، وعقل مشغول، وهم ما، وعنوان بلا ضيف!، ولا أعتقد أن أحدهم كتب يوما شيئا لم يكن له لديه أصل، حتى أن سطرا في نص كامل أحيانا يكون هو كل الحكاية، وما حوله ضوضاء تخفي ما بين السطور.

• لأجل مَنْ..

أغلب الوقت، لا يعرف الرسالة سوى قائلها، ولا يمكنه البوح بها لأحد، فيضطر أن ينثرها هنا وهناك، حتى يهدأ قليلا، قبل أن تكوِّن جبلا جديدا في نفسه لينهار بحرا يمد قلمه بنصٍ آخر. أحيانا قد يفهم الرسالة اثنين، الكاتب والمكتوب له، وسعيد الحظ، هو من يُسمع لصوته صدى.

سألني صديق، ومن قبله سُئلت، ومن بعده سأسأل، وكل من يَكتُب سيمر بنفس الحال، لمَنْ؟ السؤال منطقي، لأن الحكايات كثيرا ما تشير لأن شيئا خفيا وراء السطور، والجواب كما قلته في الفقرات الأولى، وأكمل بحكاية غير حقيقية بالمرة وليس لها أصل في أي تراث..

• هذه الجنية

- قال حكيم لفتى سأنبئك بما يشغل صدرك ويشعله، إن العقل الذي وهبنا الله إياه فيه مس من غباء، لا يفهم الأشياء كما نريد، ولكن كما يريد، فإذا أخبرته أنك لا تريد للجنية أن تكون أسطورتك، فإنها ستكون أسطورتك، هو لن يفهم سوى أنها جنية، وأنها أسطورة، وستمضي بأقدامك إلى قلب البحر حتى يبتلعك ويأخذك إليها سجينا.

• تطارد

هناك دافع دائما لكل شيء، وكما قال من قبلي، وسيقول من بعدي، فكل واحدٍ يكتب نفسه بين السطور، حتى الذي يهرب بعيدا تماما، ويكتب شيئا آخر، لو أرخى حدته قليلا وهدأ وأبصر، سيرى مُطارده وراء الكلمات.

لا يمكن لأحدهم أن يأتينا بقصص من العدم، ولا شعرا من الفراغ، حتى وإن لم نكن نعرف النهاية، فإن البحث عنها يكون أيضا أثناء كتابتها، وكأنما هي محاولة للتفكير، بينك وبين نفسك.

الكتابة ليست حديث نفسٍ بالطبع، لكنها ليست بعيدة عن النفس أيضا، وليس هناك ما يمنع أيضا أن يتحول حديث النفس لعمل مكتمل، كل شيء ممكن.

• وتجرح؟

لكل كاتب جنية، ليست فقط أنثى، هو شيء ساكن فينا، يشتغل كلما همس في ظلمته ضوء، لن تجد مبدع يكتب دون أن يكون في قلبه جُرحٍ ما، حتى لو كان ساخرا، لأن فعل الكتابة هو اعتصار، كلما امتلأت.. تناثرت.

• خدعتنا..

لم تخبرنا الجنية أبدا ما في الغيب، ولا أنها ستعتصرنا لنكتب، فتفرحون بينما نحزن، تتهامسون ونصرخ، تقرأون ما ننزف، الفعل ليس سيئ كما يبدو، فهو شيء من العلاج، محاولة إزاحة لهم لا تنتهي.. إلا بنهاية حامله.

• بإرادتنا

إذا أنت بحثت عن جنيتك، ووجدتها، فأنت فتحت الباب، نزلت إلى عالمها، أو صعدت إلى سمائها، أو دخلت قصرها الذي يحيط به المرجان وتحرسه الوحوش والأقزام، من هناك ستصف كل شيء تراه.. من خلف الأسوار أسيرا.

أنت حرٌ وسع العالم، ولكن العالم كله، ليس خارج الأسوار.

إذا تعلقت بك، إذا أعجبها ما تراه أنت واستحسنت ما تكتب، ستُعدّك بطلها الأوحد، سيزيف وصخرته، وعقابه اللامنتهي.

• جفنه علمنا

فعل الكتابة ليس بسيط كما يعتقد البعض، هو استحواذ كبير، تتلبسك الأشياء وتلبسها، فيه متعة ونقمة، ولن تتوقف عن الاقتراب من جنيتك، ولا عن محاولات الهرب، وفي كل فعل وعكسه، أنت لست بعيد.

• وعذرنا.. أن في وجهنا نظر

السر ليس في قهوتك كما يشاع، ولا في طقوسك، ولا وقت محدد، ولا مكان، لا شيء، متى ما حضرت الجنية، فأهلا بالجميع، هذه حكايتنا..

ما بين السطور سيبقى، حكايات لم تروى صراحة، وربما لن تروها حيا.
ads