الثلاثاء 31 مارس 2020 الموافق 07 شعبان 1441
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

الشيخ عبدالباقى القلينى

الجمعة 21/فبراير/2020 - 08:21 م
طباعة

الإمام الشيخ عبدالباقى القلينى هو فقيه مالكى مصرى، وهو الرابع فى الترتيب بين شيوخ الأزهر الشريف.
ولد عبدالباقى القلينى فى مدينة «قلين»، التابعة لمركز كفر الشيخ، بمديرية الفؤادية، والتى أصبحت الآن مركز «قلين»، وإليها نُسب، ولا يُعرف تاريخ ميلاده لعدم انتظام النواحى الإدارية فى ذلك الوقت، وعدم الاهتمام بهذه الأمور. وكعادة أهل القرية أنهم يذهبون بأبنائهم إلى الكُتَّاب لحِفظ القُرآن الكريم، والصبىُ الذى يحفظ القُرآن الكريم صغيرًا يكون فخرًا لأهله وعشيرته، فحَافِظ القُرآن شأنه فى ذلك شأن غيره من التلاميذ.
غادر عبدالباقى القلينى قريته قاصدًا القاهرة ليلتحق بالجامع الأزهر، ودرس علوم الأزهر مثل: «التفسير، والحديث، والتوحيد، والتصوف، والفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والنحو، والصرف، والعروض، والمعانى والبيان، والبديع والأدب، والتاريخ، والسيرة النبوية، وعلم المنطق، والوضع والميقات». وكان عبدالباقى القلينى تلميذًا نجيبًا للعالمين الجليلين: الشيخ البرماوى، والشيخ النشرتى «وكلاهما سبقه فى مشيخة الأزهر». وكان الشيخ القلينى ذكيًّا يعى ما يقرأ، ويحفظ ما يفهم، ولذا نبه شأنه، وذاع صيته، وعُرف اسمه للقاصى والدانى، وجلس للدرس والتعليم.
ومن مَآثِره أنَّه كان يحسن اختيار طلابه وجلسائه المتردِّدين عليه، وقد ذكَر الجبرتى فى مؤلَّفه: «أنَّه ترجم للكثيرين من طلبة القلينى، وأثنى عليهم، وذكَر أنهم كانوا بحورًا زاخرة فى العلوم النقليَّة والعقليَّة، ومن بينهم على سبيل المثال الشيخ محمد صلاح الدين البرلسى المالك- الذى لازَمَه وانقطع إليه، وكان يُشبهه فى الفقه المالكى خاصَّة، وفى العلوم اللغويَّة والدينيَّة على سبيل العموم»، وتُوفِّى الشيخ البرلسى عام ١١٥٤هـ، ويتَّضح من هذا أنَّ لتلاميذه كتبًا ومؤلفات.
وكان القلينى يعتنى بتوجيه تلاميذه إلى العناية والاهتمام بالكتب القديمة والبحث فى أمهات الكتب لاستخراج ما بها من كنوز ومعارف، وكان يساعدهم على فهم ما صعب عليهم فهمه فى تلك الكتب، ويملى عليهم الحواشى لإيضاح الغوامض وتبسيط المعقد.
تولى الشيخ القلينى مشيخة الأزهر سنة ١٧٠٩م، بعد وفاة الشيخ النشرتى، وبعد أن خاض تلاميذه وزملاؤه صراعًا عنيفًا من أجل توليته المنصب. ولم يشترك القلينى فى هذا الصراع من قريب أو من بعيد- لوجوده بعيدًا عن القاهرة آنذاك- بل اشترك فيه تلاميذه وزملاؤه المقربون الذين كانوا يرون أنه الأحق بولاية هذا المنصب الجليل. وقد ظل الشيخ القلينى فى هذا المنصب حتى وفاته.
وهو رابع شيوخ الأزهر بعد وفاة الإمام «النشرتى»، ولم توجد له ترجمةٌ كافية، وكذلك بالنسبة لمؤلَّفاته وعلومه، وأمَّا أنَّه كان يسقى تلاميذه العلمَ ويتركهم ليُدوِّنوه ويسجلوه كما فعَل جمال الدين الأفغانى وغيره ممَّن كانوا يُعلِّمون ولا يُصنِّفون، فالواقع أنَّه كذلك، وكان يُنافس الشيخَ «القلينى» على مشيخة الأزهر عالِمٌ من العلماء الأفذاذ وهو الشيخ «النفراوى» الأزهرى المالكى، وقد ترجم له الجبرتى فى يوميَّاته أنَّه الشيخ أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النفراوى، ومات وعمره ٨٢ عامًا، وإذا كان هذا هو النفراوى بجلالِ قدره وعلمه وشيوخه ومصنَّفاته، ولم يستطع أنْ يرقى إلى كرسى مشيخة الأزهر قبل القلينى؛ إذ إنَّ تولِّى المشيخة كان بالانتِخاب بين العلماء والمرشحين، وعلى هذا تولى الشيخ «القلينى» منصبَه عن جَدارةٍ وتقديرٍ بالانتخاب المشروع.
ومن الإنصاف للرجل القول إنه لم يكن حريصًا على المشيخة، على الرغم من علوِّ هذا المنصب وشدَّة الإقبال عليه، والدليل على ذلك أنَّه لم يكد يستقر على أريكته حتى تركَه وذهَب إلى بلدته، وانقطَعَ ذكرُه بعد ذلك، ومن هنا لم يعرف كم سنة قضاها على كرسى المشيخة، ولم يُعرَف أين تُوفِّى، ولا كم كان عمره عند وفاته.
لا يعرف على وجه التحديد تاريخ وفاة الشيخ القلينى، ولم يرد ذكر بذلك فى جميع الكتب التى تناولت ترجمته. ومن العجيب أنَّه لم يعرفْ مكان وفاته، وإلا لنقل منه إلى الأزهر الشريف، وأُجرِيت له المراسيم، كما أُجرِيت لأسلافه، ولا شكَّ فى أنَّ إعراضه عن المشيخة، واختفاءه عن الأعين- كما سبق وذُكِرَ- ليس إلا دليلًا ظاهرًا وحجَّة قاطعة على أنَّه لم يكن رجل دنيا؛ يسعى إليها ويكد فى طلبها، وإنما كان رجلَ آخرةٍ؛ يعمل من أجلها، ويسأل الله التوفيق فيما يهدف إليه منها، وقد ذكر فى ألفية الأزهر أنَّه انتقَلَ إلى رحمة الله هادئًا مطمئنًّا إلى كلِّ ما فعَل سنة ١٧١٩م.
ads