رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 13 يوليه 2020 الموافق 22 ذو القعدة 1441
مؤمن المحمدي
مؤمن المحمدي

هى دى «بلادى بلادى»

الجمعة 14/فبراير/2020 - 07:00 م
طباعة

نشيد «بلادى بلادى»، شىء فى منتهى العظمة والإبهار، والواحد بـ يستغرب من إنه محدش خالص خالص، تناول مظاهر الإبهار اللى هـ أكلمك فيها، ولا حتى أنا، رغم إنى من إعدادية مثلًا، كان نفسى أكتب عن هذه التحفة الخالدة، التى حازت ما لم يحزه نص آخر، لا قبلها ولا بعدها.
خلينى أسأل حضرتك: هو النشيد دا، مكتوب بـ أى لغة؟ مصرية ولا عربية؟ ولو عربية، قديمة ولا حديثة؟
صحيح إحنا قلنا قبل كدا إنه الشعر لغة فوق اللغة، إنما فيه حد أدنى من الالتزام، ما ينفعش تتخطاه، وإلا كدا، تبقى خرجت بره اللغة أساسًا، يعنى «التصرف» له إطار، مش فى الطل كدا. «اسلمى يا مصر إننى الفدا» مثلًا، دا لغة عربية سليمة تمامًا، مفيهاش الهوا، «والله زمان يا سلاحى»، مصرية بيور «مع بعض التصريفات، لكن إطار المصرية البيور» إنما «بلادى بلادى» مكتوب بـ أى لغة؟
الواقع، إنه عامل «ميكس»، عمرى ما شفته، ولا حتى عند فتحى قورة فى أغانى شكوكو، اللى هو إحنا بدأنا لغة عربية، وماشيين لغة عربية، ثم تفاجأ كل كام كلمة بـ كلمة مصاغة بـ شكل مصرى، يعتبر خطأ فادح فى اللغة العربية، لكن ما يخليش الكلام مصرى.
مثلًا: «أنت غايتى والمراد»، «غايتى» دى، لو بـ اللغة العربية لازم تبقى «غايَتى»، بـ فتحة فوق الياء، «غايْتى» بـ سكون فوق الياء، طريقة مصرية تمامًا تمامًا، بس الجملة
مش مصرية.
لاحظ إننا مش بـ نتكلم عن حركة إعراب، هـ نقول سكنها، من باب التسهيل وكدا، لا دا فى بنية الكلمة الصرفية نفسها، اللى هو ما ينفعش ما ينفعش.
الأنقح بقى: «فوق جبين الدهر غرة»، «فوق» دى مصرية، لـ درجة إنها لازم تقولها بـ الهمزة «فوء»، مش بـ القاف «فوق»، وطبعًا بـ نقولها «فُوق» مش «فَوْقَ»، حركة الفاء هنا مش موجودة أساسًا فى اللغة العربية، لا القديمة ولا الحديثة. خد عندك بقى طول النشيد، «كم لنيلكْ من أيادى»، تسكين الكاف دا فى اللغة العربية جريمة، عشان منه بـ نحدد، إذا كان الخطاب لـ المذكر ولا المؤنث، إنما المصرية، بـ تعتمد على حركة الحرف اللى قبله، زى ما هو عمل هنا. وهكذا، يفضل يونس القاضى ماشى، لـ حد ما نوصل لـ الكوبليه الخزعبلى:
مصر أولادك كرام
أوفياء يرعوا الزمام
سوف نحظى بالمرام
باتحادهم واتحادى
اللى هو إيييييه دا؟ إنت بـ تقول إيه؟ أنا تهت منك يا عم، دا حرف لغة عربية، الحرف اللى بعده مصرى، أنا فعلًا فعلًا ما شفتش أى نص تانى خالص عمل كدا،
لا جاهين ولا حداد ولا حتى أحمد فؤاد نجم، ولا شعر حلمنتيشى ولا مونولوجات، ولا ميمى الشربينى ذات نفسه، ولا أى حد حاول يخلط المصرية بـ العربية، قدر يعمل الخلطة دى، ومحدش يعلق، ويمكن محدش خد باله أصلًا. تيجى بقى لـ الوزن، تلاقى بقى ما لا أذن سمعت، يعنى، كل قصيدة نشيد أغنية، ليها وزن معين، اللغة العربية القديمة كان عندها ١٦ بحر، بعدين فيه أوزان استحدثت، المستحدث دا أحيانًا حد سماه، أحيانًا لأ.
اللى اتكتب بـ المصرية، قصايد أو أغانى أو حتى هتافات، بـ يبقى ماشى غالبًا على الأوزان القديمة، وأحيانًا على المستحدثة، نشيد «بلادى بلادى» بقى، وزنه إيه؟
شوف: «بلادى بلادى بلادى» الشطر دا على وزن قديم، اسمه بحر «المتقارب»، بس مش بـ الظبط «المتقارب»، عشان هنا، هو عامل تلات تفعيلات بس، المفروض البحر دا ٤ تفعيلات، حتى الحاجات اللى اتعملت بـ المصرية، عملت ٤ تفعيلات، زى: «واحشنى حقيقى واحشنى بـ صحيح»، أو«عظيمة يا مصر يا أرض النعم»، ما شفتهاش ٣ تفعيلات غير فى نشيد «بلادى بلادى».
إنما مش دا الموضوع، نكمل: «لك حبى وفؤادى»، دا بقى بحر تانى خااااالص، اسمه «الرَّمَل» «بـ فتح الميم»، فى صورة مخصوصة منه، اسمه «مجزوء الرمل»، فـ دى تقريبًا المرة الوحيدة، اللى أشوف فيها بيت شعر، شطره من بحر، والشطر التانى من بحر تانى خالص «ولا حتى فى المهرجانات». مش هـ أدوشك ببقية النشيد، إنما بـ اختصار: لو فيه شاعر مبتدئ، جاب لى نص، مكتوب بـ اللخبطة دى كلها، فى اللغة والأوزان والقوافى، هـ أقول له إنه محتاج شغل كتير، ولازم يقرا، ويثقف نفسه، ويتعلم.
إنما ربك والحق، ما عنديش هذا الشعور تجاه هذا النص، بـ العكس، شايفه حاجة متماسكة جدًا، ومتمكنة جدًا جدًا جدًا، ومش حاسس إنه دا نتيجة جهل، أو تجاهل، أو أى نوع من أنواع الاستسهال.
النص دا كان لازم يبقى النشيد الوطنى بتاعنا، لـ إنه شبهنا جدًا جدًا، حاجة منتهى العك، بس على بعضها كدا، حلوة أوى أوى، وتحيا جمهورية مصر «من غير العربية».