الإثنين 06 أبريل 2020 الموافق 13 شعبان 1441
أحمد بهاء الدين شعبان
أحمد بهاء الدين شعبان

مائة عام على ميلاد «القديس الصعلوك» «1»

الخميس 06/فبراير/2020 - 07:21 م
طباعة
حسنًا ما فعله السادة المشرفون على معرض الكتاب هذا العام بتخصيص ندوة احتفالية بمناسبة مرور مائة عام على ميلاد واحد من أفذاذ المبدعين المصريين، الأستاذ «عبدالرحمن الخميسى»، المناضل والمثقف والشاعر والقاص والمترجم والصحفى والسياسى والمُلحن ومُقَدِّم البرامج الإذاعية ومُكتشف المواهب والمؤلف والمُخرج المسرحى والسينمائى.. وهل ينسى أحد تجسيده المُعجز لشخصية الشيخ «يوسف» فى رائعة «يوسف شاهين»: فيلم «الأرض»؟.. إلخ، وقد مارس «الخميسى» كل هذه الألوان الإبداعية، وتألق فيها، وترك بصمة واضحة عليها، بشكل يندر مثاله.
حياة الأستاذ «الخميسى» وحدها، نسيج نادر فى البراعة والفرادة، وهى رواية تستحق أن تُحكى: للمحزونين حتى يتسلحوا بالأمل، ولشباب الأجيال الجديدة، حتى يتزودوا بالإرادة ويُقاوموا الإحباط والتردد، فما مرَّ به من محن وتقلبات، ومنذ نعومة أظافره، لا يطيقه الكبار ذوو العزائم، فما بالك بطفل يُلقى والده يمين الطلاق على أمه يوم مولده، بمدينة المنصورة عام ١٩٢٠، ثم يعاود «اقتناصه» أو «اختطافه» من الشارع، بعد عدّة سنوات، لكى يكبر تحت ناظريه، فيحرمه من حدب والدته وحنانها، وهو فى هذه السن الغضّة، ويفرض عليه وهو فى المدرسة الابتدائية أن يُدَبِّرَ أمور حياته وحيدًا، فى بلدة غريبة، لا يملك إلا قروشًا زهيدة يقتات بها، تقتله الوحدة، وتُعَذِّبه العَبَرات!
وهذه المُعاناة منذ الصغر جعلت منه، بذكائه المطبوع، وعقله المُتَّقد، شخصًا مستقلًا وصلب العود، لا يخشى الصعاب، ولا تهزه النوائب، ومنحته رهافة فى الحس، ورقّةً فى المشاعر، وغرست فى أعماقه تعاطفًا لا مزيد عليه، مع طبقات المحرومين والضعفاء وفئات الفقراء والمظلومين، وكرّست لديه شعورًا طاغيًا بالعدل والإنصاف وكراهة غطرسة الأقوياء وبطش المقتدرين، امتد، بعد فترة، ليربطه بالحركة الاشتراكية، لا برابطة الالتزام الحزبى والانضباط التنظيمى، وإنما، بما هو، كما وصفه الكاتب الكبير الراحل الأستاذ «يوسف الشريف»: «أقرب إلى الطائر المُغَرِّد الذى يرفض القيود، ويهوى التنقل بحُرّية وتلقائية غصن إلى فنن»!، لكنه كان، كما يقول الكاتب: «حين يَجِدُّ الجد، ولا مفر من التحشُّد والنضال، يختار اليسار، وذلك كان موقفه من قضية الديمقراطية التى دافع عنها بضراوة فى بداية ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وانتهت إلى المعتقلات من ١٥ مارس ١٩٥٣ إلى ١٢ ديسمبر ١٩٥٦».
وقد لعبت هذه التكوينة النفسية الرهيفة، والواقع الاقتصادى البائس المُعاش، وسلامة الحس ونبل الطويّة، دورها فى أن تخلق منه شاعرًا رومانتيكيًا ثوريًا ملتهب المشاعر، جيّاش العواطف، فنشأ منذ صباه المُبكّر يكتب المسرحيات والمقالات، ويؤلف القصص والأشعار وينشدها بتفوق، ويراسل مجلات كـ«الرسالة»، فتنشر له قصائد وهو فى مُقتبل العمر!
لكن احتدام أزمة القطن وتداعيات كساد الثلاثينيات، أديا إلى تدهور أحوال والده، تاجر الأقمشة الذى عصرته المحنة، ومن ثم أحواله، وجعلت «الخميسى» يقرّر الانتقال إلى العاصمة، القاهرة، فيصلها عام ١٩٣٧، أملًا فى الحصول على عمل يقتات منه، ولكى ينعم بقربه من أجواء الفكر والثقافة والنشر والإبداع.
وقد شاء حظه أن يلتقى فى تلك الآونة شخصيتين مهمتين أثرتا تأثيرًا قويًا على ميوله الأدبية وانحيازاته الأيديولوجية. الأول الشاعر الكبير «خليل مطران»، الذى اقترب منه، ونهل من معينه حتى ارتوى وتأثر برومانتيكيته وميوله الإنسانية وأخلاقياته الرفيعة، والثانى «سلامة موسى»، الذى أضاف إليه النظرة العلمية والرؤية الاشتراكية، واستطاع ببراعة أن يلتقط من كل اتجاه ما يُميزه، مستفيدًا من مميزات كل من التوجهين، وأن يخرج من الاصطراع فى وجدانه بين هذين المذهبين، بمُركّب نضالى جديد، وهو ما ساعده على أن يفتح أمامه «طريقًا طويلًا وعريضًا، احتشد عبره بكل إمكانياته الفنيّة والفكرية، للتعبير عن آلام الشعب وطموحاته للتغيير نحو الأفضل».
ads