الأحد 05 أبريل 2020 الموافق 12 شعبان 1441
خالد عكاشة
خالد عكاشة

المأزق الداخلى لخطة السلام الأمريكية «1»

الأربعاء 05/فبراير/2020 - 07:44 م
طباعة
خطة السلام الأمريكية، التى طرحت مؤخرًا من الرئيس الأمريكى حضرها شخص واحد هو رئيس الوزراء الإسرائيلى، باعتباره الوحيد الذى اختاره دونالد ترامب ليكون معه على المنصة، واكتفى بأن يكون «كل» ما عدا ذلك هم فى ساحة القاعة، حتى من وجه لهم كلا الرئيسين شكرًا وثناءً حارًا لأدوارهم فى إنجاز المشروع الجديد للتسوية. وباعتبار مكونات هذا المشهد، تعود كلمة الداخلى الواردة بالعنوان إلى الداخل الإسرائيلى والأمريكى معًا، وهناك ما بدا منذ الإعلان عن الخطة وحتى اليوم، ما يمكن اعتباره مأزقًا حقيقيًا. وقد يتجاوز فى الكثير منه بعضًا من إشكاليات الأطراف الأخرى المعنية بالخطة، وفى هذا كتب الكثير حتى الآن، عن الفلسطينيين والسلطة وقطاع غزة والجوار العربى القريب والدوائر الأوسع.
لذلك جاء مأزق صناع الخطة فى هذه اللحظة المبكرة من عمرها، ليمثل ملمحًا لافتًا اخترنا أن نقف عنده قليلًا استشرافًا لما قد تأتى به الأيام. على الجانب الإسرائيلى باعتباره الطرف الرئيسى فى الخطة، كان هناك «منطقيًا» ردود أفعال وكثير من الأقاويل سرعان ما انطلقت تعليقًا على المشهد السالف ذكره. منهم على سبيل المثال الكاتبة الإسرائيلية «رينا متسليح»، التى ترى أن ترامب أعاد وضع القضية الفلسطينية على رأس أولويات الحملة الانتخابية الإسرائيلية، بعد أن ظن الإسرائيليون لسنوات أنهم تجاوزوا هذه النقطة، حيث ظنت قبلًا أنه لم يعد هناك شىء اسمه القضية الفلسطينية، فى الحملات الانتخابية على الأقل. فهى ترى وهى رؤية مهمة فى واقع الأمر، باعتبار تمثيلها لقطاع ليس بالقليل يرى الأمر على هذا النحو- أن ترامب بعرض خطته الأخيرة أوضح دون أن يدرى، أن فى إسرائيل يسارًا ويمينًا، يسارًا يريد دولة فلسطينية، ويمينًا لا يريد دولة فلسطينية. فالكاتبة ترى حزب الوسط «أزرق- أبيض» لا داعى لوجوده أساسًا، لأن العمل السياسى لا يحتاج إلى «زينة» حزب وسط، ففى إسرائيل إما أن تكون يسارًا أو تكون يمينًا.
وهناك فى إسرائيل من يذهب لأكثر من مجرد اعتبار الأمر تجديدًا للقضية، وبعثها فى حلبة السباق الانتخابى، إلى أنها تمثل صفعة لنتنياهو، بعد الإنجاز الكبير على المستوى العربى، هذا لأن بيان الجامعة العربية ينظر إليه بأنه سيمهد بالتبعية لاستصدار قرار من القمة الإسلامية والأمم المتحدة لرفض الخطة الأمريكية، وفى حال تم ذلك فإنه سيعنى وفاة الصفقة قبل أن ترى النور. هذا ما ذكره «إيهود يعارى» المحلل السياسى الإسرائيلى الذى أفردت له «القناة ١٢» الشهيرة، مساحة عريضة من الوقت عقب انتهاء اجتماع جامعة الدول العربية، والجدير أنه استفاض أيضًا فى استعراض أن الرئيس محمود عباس، وهو فى أضعف حالاته حسب وصفه، سيطر على زعماء المنطقة، بالنظر إلى تمكنه من جر القادة العرب إلى إصدار بيان يرفض خطة السلام الأمريكية. وفى مساء نفس اليوم كان المحلل العسكرى «رونى دانييل»، على موعد مع وصلة انتقاد لاذع للخطة، فى وصفه لأصحاب المليارات الأمريكيين بأنهم جاءوا ليجربوا عقد صفقاتهم عليهم، قاصدًا المجتمع الإسرائيلى، حيث وصف تعاملهم معهم حسب حديثه و«كأننا دمى، يقامرون علينا». فهو يرى أن نتنياهو ذهب إلى الفوز بصفقة ليحدث معه العكس، حيث يعتبر أن الإدارة الأمريكية قالت له توقف عن ضم الضفة، فى الوقت الذى أعلن فيه المستوطنون عن أنهم لن يقبلوا بمنح الفلسطينيين ٧٠٪ من مساحتها، وبالتالى يفقد نتنياهو فى ضربة واحدة أصوات المستوطنين والعرب ليتحول كل شىء ضده، فالصفقة تعكس جهل صانعيها بالوقائع على أرض الصراع العربى الإسرائيلى، كما ستكون النتيجة أن نتنياهو سيخسر مباشرة بمجرد انخراطه فيما بعد إعلان الصفقة، بحسب وجهة نظره.
يمكن أيضًا الوقوف أمام أهم من كتب عن هذه الخطة، وهو «إيهود باراك» رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق والذى شغل منصب وزير الدفاع، فى صحيفة «هآرتس» الشهيرة صبيحة يوم الإعلان عن الخطة، بعنوان مثير: «نتنياهو معنىّ بإفشال صفقة القرن». باراك فى مقاله لم يرفض الصفقة، بل كان يحلل تفاصيل الداخل الإسرائيلى، والذى هو موضوعنا هنا، فهو اعتبر نتنياهو سيكون أحرص على إفشال تلك الخطة الأمريكية، من وجهة نظره نتنياهو الذى أقام حلفًا مع اليمين المتطرف، بمن فيهم كهانيون نسبة إلى مائير كهانا وعنصريون، معنىّ بإفشال الخطة من خلال تحميل الطرف الثانى المسئولية، والتوجه فورًا إلى اتخاذ خطوات ضم من طرف واحد بدعم من ترامب. أما «جانتس» فإيهود باراك يرى أنه يمثل الموقف الصحيح بالنسبة إلى إسرائيل، وذلك فى إطار تبنيه التشديد على التنسيق، والتبادلية، وعلى تسوية إقليمية، ومشاركة الأردن، والحفاظ على المصالح الأمنية لإسرائيل، فضلًا عن خيار القيام بخطوات أحادية لاحقًا إذا لم تنجح التجربة. هذا تحليل باراك لكلا المتنافسين فى السباق الانتخابى، وقد يكون لديه قدر من الانحياز لجانتس، لكن فى كل الأحوال ما بدا من تحليله أن مسار الأخير هو الأكثر تعبيرًا عن «الموقف الصحيح».
وما هو جدير بالانتباه أيضًا فى مقال باراك، ونرى أنه الأكثر أهمية بالفعل، وهو موضوع ضم «غور الأردن» إلى إسرائيل وفق الخطة، وفى هذا ذكر باراك أن الجميع متفق على أن نهر الأردن يجب أن يكون الحدود الأمنية فى الشرق، واقتراح نتنياهو ضم غور الأردن فورًا يعكس هستيريا شخصية، تشبه سلوك مجرم نجا من الملاحقة، وفقدان القدرة على الحكم، كى لا نقول فوضى أمنية. فهو يرى أن أى ضم فورى لـ«غور الأردن» سيقضى على أى فرصة لتحقيق «صفقة القرن»، ويضر بقدرة إسرائيل العملياتية على مواجهة إيران «التى هى العدو الأساسى حتى الآن»، وأيضًا بالعلاقات مع الأردن التى تمنح إسرائيل عمقًا استراتيجيًا، وسيشجع أولئك الذين يريدون إرسال زعماء إسرائيل إلى «محكمة لاهاى». فهو يرى نصًا: أنه «ليس لضم غور الأردن حاليًا أى قيمة مباشرة، لأن إسرائيل ليست عرضة اليوم لأى خطر من هذا الاتجاه. ولن يحدث شىء لو بدأت الحكومة المقبلة فى معالجة هذه المشكلة، فترامب سيظل فى السلطة، بل ربما نتنياهو هو الذى لن يبقى».
هذه الرؤى؛ ربما يمكن استخدامها لمن يريد فيما يتجاوز وظيفة قراءتها فحسب، وإن ظلت القراءة حتى وحدها تعطى إطلالة مهمة على مأزق إسرائيلى داخلى، بعيد كثيرًا عن الصورة الوردية التى يجرى تسويقها من هناك، ومن حالة الإحباط المطبق التى تسود الساحة هنا.
الأسبوع المقبل، بإذن الله، نطل على المأزق الأمريكى، الذى يبدو أعمق وأشمل بصورة فعليًا تدعو للغرابة.

ads