رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 07 أغسطس 2020 الموافق 17 ذو الحجة 1441
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.كريمة الحفناوى
د.كريمة الحفناوى

التعسف الإدارى جريمة عنف ضد الإنسان

الجمعة 31/يناير/2020 - 06:43 م
طباعة

فى حفل تأبين طبيبات المنيا الثلاث اللائى فقدن مع سائق الميكروباص فى حادثة مفجعة، بجانب إصابة ١١ طبيبة نتيجة إجبارهن على حضور تدريب فى القاهرة مع التهديدات بأن التغيب نتيجته الخضوع للتحقيق، طالب الدكتور حسين خيرى، نقيب الأطباء، بوقف كل أشكال التعسف والتعنت الإدارى، وقال «إن التعسف الإدارى كان وراء انتقال الطبيبات فى ظروف صعبة من محافظة المنيا إلى القاهرة للتدريب بدلًا من سهولة انتقال المدرب إلى محافظة المنيا».
نعم يا نقيب الأطباء أوافقك الرأى، فالدستور المصرى ينص فى مادته «١١» فى فقرة منها على «وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل». وينص فى المادة «٥٩» على «أن الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها».
تعالوا بنا يا سادة يا قراء يا كرام، ويا سيدات نتأمل ما حدث لنرى، صدرت الأوامر الإدارية بإعلام الطبيبات بالذهاب إلى القاهرة للتدريب فى حملة فحص سرطان الثدى قبلها بـ٤٨ ساعة فقط! مع الإصرار على عدم التخلف وإلا العقاب والخصم والتعرض للتحقيق، وعندما حاولت بعض الطبيبات المثقلات بظروف عمل صعبة الاعتذار لأن الوقت لا يسمح بتدبير أمورهن فى هذه المهلة القصيرة، فالوقت لا يسمح بتوفر أماكن لحجزها فى القطار للسفر، وأيضًا عدم التمكن من تدبير الحال بالنسبة لأطفالهن- كان الرد المتغطرس «عليكن تنفيذ الأوامر»، وعندما طلبت إحدى الطبيبات الاعتذار لوجود طفل صغير لا تستطيع تركه، رد المسئول المتعالى «هاتى ابنك وتعالى». فما كان من الطبيبات إلا تنفيذ الأوامر المتعسفة بالانتقال على عجل بوسيلة الميكروباص غير الآمنة فى طرق غير آمنة فى الفجر والشبورة والبرودة تلفهن وتحاصرهن، فكانت الحادثة البشعة المؤلمة المفجعة، واصطبح المصريون بمشهد صادم يثير الحزن والغضب.
هذا التعسف الإدارى والروتينى مِن المسئول «الذى لا يهمه غير تنفيذ الأوامر وترتيب الدفاتر وتسوية الفواتير والميزانيات» يعتبر شكلًا من أشكال ممارسة العنف فى أماكن العمل، بل القهر من قِبل المدير المسئول تجاه مرءوسيه فى العمل- وهم الطرف الأضعف- فى علاقة العمل، لذا دعونى يا سادة أكرر عشرات بل مئات أو قل آلاف المرات كلامى الذى أوردته فى عدة مقالات سابقة عن توقيع مصر على الاتفاقية رقم ١٩٠ الصادرة عن منظمة العمل الدولية فى منتصف عام ٢٠١٩ الخاصة بمناهضة العنف فى عالم العمل. اختارت الاتفاقية لفظ عالم العمل وليس أماكن العمل ليتسع مفهوم العنف، ليشمل ليس مكان العمل فقط، ولكن كما أشارت الاتفاقية فى المادة (٣) إلى أنها تنطبق على ظاهرة العنف، التى تحدث فى سياق العمل أو تكون مرتبطة به أو ناشئة عنه، واشتملت هذه المادة على:
- أماكن العمل بما فى ذلك الأماكن الخاصة والعامة حيث تشكل مكان عمل.
- الأماكن التى يتلقى فيها من يعمل بأجر ويأخذ استراحة أو يتناول الطعام أو يستخدم المرافق الصحية ومرافق الاغتسال وتغيير الملابس.
- خلال الرحلات أو السفر أو التدريب والأحداث والأنشطة الاجتماعية ذات الصلة بالعمل.
- الاتصالات المرتبطة بالعمل بما فيها تلك التى تتيحها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
- فى أماكن الإقامة التى يوفرها صاحب العمل.
- عند التوجه للعمل والعودة منه.
هل قرأ أى مسئول كبير أو صغير الدستور والحقوق والواجبات التى ينص عليها؟ هل قرأ الاتفاقيات الدولية وإعلان حقوق الإنسان التى تنص جميعها على حق الإنسان فى التعليم والصحة والسكن والغذاء والحياة الكريمة والأمان فى التنقل وفرصة عمل ملائمة وأجر عادل يكفيه لتلبية احتياجاته واحتياجات أسرته الضرورية وبيئة عمل توفر الأمن والصحة والسلامة المهنية؟
حادثة طبيبات المنيا الأليمة لم تكن الأولى فى التعسف الإدارى، لقد ذكرتنى بحادثة مفجعة غاب فيها الضمير الإنسانى وتطبيق القانون دون الأخذ فى الاعتبار الظروف المحيطة بالبشر وتغليب التنفيذ دون النظر لروح القانون وفلسفته. إننى أتحدث عن حادثة القطار التى أودت بحياة شابين فى مقتبل العمر لم يتمكنا من دفع ثمن التذكرة، فما كان من الكمسارى إلا أن ضغط عليهما وقهرهما وخيرهما بين تسليمهما لشرطة السكك الحديدية أو القفز من القطار وهو سائر وفتح لهما الباب فقفز الشابان وقتل أحدهما وأصيب الآخر دهسًا ليس تحت عجلات القطار فقط ولكن تحت التعسف والأوامر التى غابت عنها الرحمة والأخذ فى الاعتبار ظروف المعاناة والضغوط التى تحيط بالأغلبية من شباب بلدنا.
وما يحدث الآن فى ميادين وشوارع مصر الجديدة بعد التطوير والتوسيع لشاهد على سوء تخطيط المسئولين واستهتارهم بحياة البشر، فقد كان كل همهم عند التخطيط هو سيولة وتدفق المرور دون الوضع فى الاعتبار مرور المشاة، أى البشر، الثروة البشرية التى تعمل الدول على ما يسمى تنمية الموارد البشرية تنمية مستدامة والحفاظ عليها مع تدريبها وتأهيلها من أجل المشاركة فى بناء وتقدم وتنمية واستقرار البلاد. وكان نتيجة التخطيط هو موت وإصابة عدد من البشر فى شوارع مصر الجديدة ومزيد من نزيف الدماء على الأسفلت.
كل ما سبق وغيره من الوقائع المؤسفة يؤكد أن التعسف الإدارى والإهمال يعتبر جريمة من جرائم العنف ضد البشر، وأن عدم المتابعة والمساءلة والمحاسبة والمحاكمة والعقاب الرادع لمن لا يكترثون بأرواح البشر جريمة أخرى ضد الإنسانية.