الجمعة 28 فبراير 2020 الموافق 04 رجب 1441
د. منى حلمى
د. منى حلمى

التفرقة بين النساء والرجال فى الحياة الخاصة والعامة

الأحد 26/يناير/2020 - 08:14 م
طباعة

اتحاد النساء قوة سياسية نبحث عنها منذ وقت طويل، وقوة هذا الاتحاد تنبع من أمرين لا بديل عنهما. الأول، هو الوعى النسائى. والثانى، هو التضامن، ولذلك نجد أن الأنظمة السياسية الاستبدادية، التى هى بالضرورة أنظمة ذكورية تترك النساء يتكلمن، يتناقشن، يلتقين فى مؤتمرات، أو فى ندوات، لمهاجمة الفكر الذكورى، ولا تفعل ضدهن شيئًا. فهى تدرك أنهن لا يشكلن أى خطر، طالما أنهن متفرقات فى جزر منعزلة.
فالقوة الحقيقية على إحداث تغيير أو ثورة، تأتى من الوعى المنظم، والتضامن الجماعى. وإذا توفر الوعى مع التضامن انطلق القمقم المسجون طويلًا، ليتكلم ويعبر ويناضل ويغنى، ويرقص ويموت، من أجل حريته المسلوبة، تحت أسماء مثل الدين، الطبيعة، صالح الأسرة، مصلحة المجتمع، العفة، الشرف الذكورى، أفضلية الرجال والأمومة المقدسة.
إن الأخلاق الذكورية تختزل المرأة فى مجرد «جسد». وبين ثنايا هذا الجسد يكمن شرف الذكور جميعًا. ويصبح على الذكور- إذا تم انتهاك هذا الجسد- مهمة استعادة الشرف المغتصب، من أجل الدفاع عن صفة الذكورة.
فى المجتمع الذكورى تكون «المرأة» و«الأرض» و«العرض» مترادفات. والأخلاق الذكورية تحمل الفتاة أو المرأة «الأضعف»، شرف العائلة وشرف الأب وشرف الحارة وشرف القبيلة وشرف الزوج وشرف الوطن. بينما يترك شرف الرجل حرًا، طليقًا، من أى مسئوليات أخلاقية أو اجتماعية.
إذا سألنا المجتمع الذكورى، ما شرف الرجل؟!
يكون الرد، هو ما يرتبط بسلوك زوجته أو أمه أو أخته. الكلمات التى ترسخ فكرة «المرأة الجسد»، وليس «المرأة الإنسان»، كلمات تؤكد أن الرجولة هى الدفاع عن العذرية، تأثرًا بالمقولة: «لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم»، وهناك كلمات متناقضة، مثل «لو ما رديناش شرف بناتنا نقعد فى بيوتنا ونلبس طرح». هى بالفقرة الأولى تدافع عن البنات، وفى الفقرة الثانية تصف التخاذل فى استرداد الشرف بأنه سلوك «نسائى».. «نقعد فى البيت ونلبس طرح». ولو أردنا إهانة رجل فيكفى أن نقول له، ونصفه، بأنه «واحدة ست.. مش راجل». ما هذا التناقض، بل ما هذا التردى الأخلاقى والانحلال الثقافى؟.
إن مفهوم مجتمعاتنا عن الانحلال الأخلاقى ينحصر فى ممارسة الجنس دون زواج، لكن دونية النساء، نصف البشرية، وتعيين الذكور أوصياء عليهن، واعتبارهن مخلوقات من الدرجة العاشرة، مرادفات للرذيلة والفتنة، وتجب تغطيتهن حتى لا يثرن الذكور المتلهفين لإشباع غرائزهم طول الوقت، لا أحد يصف هذا بأنه «إهانة».
نحن نعيش زمن الثورة، والثورة هى تغيير جذرى فى الثقافة والقيم والمفاهيم والأفكار، قبل أن تكون تغييرًا فى القرارات والسياسات وأسماء المرشحين. ومن أول الأشياء التى يجب أن تتغير هى الفكر الذكورى، ذلك الدينامو الجبار الذى يحرك كل حياتنا الخاصة والعامة.
لا ينفع أن نقول إننا فى ثورة، والنساء والرجال ما زالوا أسرى المعيار الأخلاقى للفكر الذكورى.
لا ينفع أن نقول إننا نهفو إلى الرقى، ونحن نرى أن كلمة «الشرف» خاصة بالنساء فقط، وترتبط فقط بالجسد، وأن هذا الجسد يحمل شرف الرجل والمجتمع والعائلة.
لا ينفع أن نقول إننا نريد التقدم، ونحن نرث الازدواجية الأخلاقية من الفكر الطبقى الذكورى.. حيث للنساء أخلاق، وللرجال أخلاق.. للفقراء أخلاق وللأغنياء أخلاق.
حسب الفكر الطبقى الذكورى، تكون المرأة الفقيرة هى أكثر الشرائح المعرضة للضرب، والسحل والعنف الجسدى والإيذاء المعنوى. لا ينفع أن نكون فى ثورة، والغالبية يقفون ضد ضرب وتعذيب المرأة المصرية فى الشارع، بينما لا يحركون ساكنًا، حين تضرب وتعذب النساء جسديًا ومعنويًا فى البيوت، على أيدى أزواجهن أو آبائهن.
المفروض أن هناك مقياسًا واحدًا للإهانة الجسدية، فى البيت مثل الشارع، على يد الغريب مثل على يد القريب.
الضرب هو الضرب.. وتعرية الجسد تعرية للعقل، هى تعرية للنفس. ومن يضرب أى إنسان، امرأة أو رجلًا، فى أى مكان وتحت أى ظروف، لا بد من عقاب رادع وحازم وفورى.
لا ينفع أن نكون فى ثورة، ونحن متسلسلون بالكلبشات الأخلاقية الذكورية، التى تحول النساء إلى مجرد قطع من لحم ومن دم.
كيف نحتفل هذه الأيام بذكرى الثورة الأم فى ٢٥ يناير ٢٠١١، الثورة التى أضاءت الطريق لمستقبل أفضل، وحشدت الشعب المصرى ليقول «لا للنظام الاستبدادى الفاسد»، وفى الوقت نفسه نحافظ على إرث القيم الأخلاقية التى هى أكثر استبدادًا وفسادًا؟!
لا أدرى كيف نعيش الزمن الثورى بأزمنة أخلاقية وثقافية، مهترئة، متعصبة، عنصرية، لا تساعد على النهضة والتقدم؟. الزمن الثورى لا يقبل التغييرات المتجزئة، ولا يقبل إهانة نصف المجتمع، ولا يقبل تمييز ناس عن ناس، ولا يقبل إعادة إنتاج ثقافات فات تاريخ صلاحيتها.
إذا كنا نريد تجديد الخطاب الدينى فلا سبيل إلى ذلك، شئنا أم أبينا، إلا برفع الوصايا عن النساء فى الأسرة وفى المجتمع، لتصبح المرأة فعلًا كاملة الإنسانية والولاية.
من بستان قصائدى
«أنت» أول السطر وآخره
«أنت» بداية الصفحة وآخرها
«أنت» فاتحة الشِعر وخاتمته.