الجمعة 28 فبراير 2020 الموافق 04 رجب 1441
د.أحمد الخميسى
د.أحمد الخميسى

العراق.. رمح الله فى الأرض

الأحد 26/يناير/2020 - 08:13 م
طباعة
وضع الضباط العراقيون الثوار، فى يوليو ١٩٥٨، نهاية الحكم الملكى وأصبح عبدالكريم قاسم أول رئيس للجمهورية، فأعطى جمال عبدالناصر توجيهًا للمسئولين عن الإذاعة بإطلاق التهانى للعراق على ألسنة الفنانين، واتجه مسئول إلى أم كلثوم، حاملًا ورقة بكلمات التهنئة، فقالت له: «أنا أغنى فقط. خذ الورقة إلى الشاعر محمود حسن إسماعيل، دعه يصغ معانيها فى قصيدة فأغنيها».
هكذا ولدت قصيدة «بغداد يا قلعة الأسود.. يا كعبة المجد والخلود.. يا جبهة الشمس للوجود»، لحنها السنباطى وغنتها كوكب الشرق. ولم يكن وصف الشاعر بغداد بأنها «قلعة الأسود»، بعيدًا عن قول عمر بن الخطاب، رضى الله عنه: «العراق رمح الله فى الأرض.. فاطمئنوا فإن رمح الله لا ينكسر». وكان الشعب العراقى قد تمكن عام ١٩٣٢ من انتزاع استقلاله من الاستعمار البريطانى، ثم أقام الجمهورية، إلى أن حلت عليه كارثة الاستعمار الأمريكى فى ٢٠٠٣ بدعوى أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وقد أكد كل القادة الأمريكيين تلك الكذبة، حتى إن وزير الدفاع الأمريكى دونالد رامسفيلد صرح فى مارس ٢٠٠٣ بأنهم يعرفون حتى أماكن الأسلحة، قائلًا بالنص: «نعرف أين أسلحة الدمار الشامل. إنها فى المنطقة حول تكريت وبغداد وشرقها وغربها وجنوبها وشمالها»! وبلغت الوقاحة فى الكذب حد أن الرئيس بوش صرح فى ٢٩ مايو ٢٠٠٣ بقوله: «لقد عثرنا على أسلحة الدمار الشامل»! ثم تبين أن كل ذلك كذب صريح حسب التقرير، الذى قدمه فريق التفتيش، برئاسة ديفيد كى، وسلمه لجورج بوش فى ٣ أكتوبر ٢٠٠٣ وجاء فيه بالنص: «لم يتم العثور على أى أثر لأسلحة دمار شامل عراقية». ما بين الاحتلال بدعوى أن هناك أسلحة، وما بين استمرار الاحتلال رغم الاعتراف بأنه لا توجد أسلحة، تمت أكبر عملية نهب وتدمير لمقدرات الشعب العراقى فقط لنهب ثرواته والهيمنة على سوق النفط ودعم الدولار، بعد أن كان صدام حسين قد اتخذ قرارًا عام ٢٠٠٠ باستعمال اليورو عملة وحيدة لشراء النفط العراقى. وحسب المصادر الغربية، فقد قتل نصف مليون مدنى عراقى ما بين ٢٠٠٣ و٢٠١٣، أما حسب المصادر العراقية، فقد استشهد نحو مليونين ونصف المليون عراقى، وترملت مليون امرأة، وتيتّم أربعة ملايين طفل. أما فضيحة الديمقراطية العالمية فقد تجلت فى سجن أبوغريب، وفظائع إهانة وإذلال البشر، ولم يمر ذلك مرور العابرين على الضمير المصرى فظهرت مسرحية «فضيحة أبوغريب» عام ٢٠٠٨ تأليف الكاتب المعروف الراحل د. يسرى خميس، واعتمد فيها على مواد وثائقية، منها التقرير الرسمى للتحقيق، الذى قام به الجنرال «أنطونيو تاجوبا» لتقصى الحقائق بشأن الجرائم المرتكبة فى «أبوغريب»، ولعل أحد أقسى مشاهد المسرحية مشهد الجنرال «أنطونيو تاجوبا»، وهو يحقق مع مدرب كلاب المعتقل، حيث يعترف المدرب بأنهم كانوا يطلقون الكلاب على المعتقلين لانتزاع أعضائهم الجنسية وتركهم ينزفون حتى الموت. ولقد قاوم الشعب العراقى الاحتلال أشد المقاومة بكل ما لديه من قدرة، وتصدى فى الوقت ذاته للمثقفين أتباع واشنطن الذين روجوا للاحتلال الأمريكى فى حينه على أنه «تحرير»، ورددوا تصريح ديك تشينى وقوله فى مارس ٢٠٠٣: «أنا واثق أنهم سوف يستقبلوننا بالترحيب كمحررين».
الآن فى هذه الأيام الأخيرة من يناير الحالى يضع الشعب العراقى يده على مدبر الجريمة ومرتكبها: الاستعمار الأمريكى، وتخرج المظاهرات الحاشدة، بدءًا من أكتوبر ٢٠١٩ للاحتجاج على تردى الأوضاع الاقتصادية والفساد والبطالة بالخلاص من الزمرة التى حكمت بالنيابة عن واشنطن، وهى احتجاجات بطولية أصيب فيها أكثر من ١٧ ألف عراقى، واستشهد نحو ألف، إلى أن أصبح مطلب الحركة الشعبية واضحًا وساطعًا: التحرر من الاحتلال الأمريكى وأى نفوذ لأى دولة. فى الأيام القليلة الماضية يتضح الهدف: التحرر والاستقلال وإعادة بناء العراق قوميًا بدمج مكوناته الطائفية والمذهبية والعشائرية. إن بلدًا ينجب شعراء عظامًا مثل بدر شاكر السياب والجواهرى، ويروى أرضه بدماء شهدائه، لا يمكن أن يهزم، ويبقى العراق رمح الله فى الأرض، فلا ينكسر.