الثلاثاء 18 فبراير 2020 الموافق 24 جمادى الثانية 1441
مدحت بشاى
مدحت بشاى

البوليس المصرى والفن السابع

الخميس 23/يناير/2020 - 07:23 م
طباعة

بمناسبة الاحتفال بعيد الشرطة وأيضًا الاحتفال بدورة جديدة لمعرض القاهرة للكتاب السنوية، أسعدنى أن يكون فى أرشيف الهيئة العامة للكتاب أكثر من كتاب وعمل نقدى مهم حول جهاز الشرطة، وإن كنت أتمنى إنتاج المزيد من الإصدارات بتاريخ أحدث، التى تتناول ظهور كوادر ذلك الجهاز مهنيًا وإنسانيًا على شاشة السينما المصرية منذ وجود الفن السابع وحتى تاريخه، وسرنى الاطلاع على كتابين فى هذا الصدد للكاتب والباحث الأكاديمى وأحد أبناء وزارة الثقافة د. ناجى فوزى.
د. ناجى فوزى تخرج فى كلية الشرطة، وحصل على ليسانس القانون من كلية الحقوق، ودرجة البكالوريوس من المعهد العالى للسينما بأكاديمية الفنون، ودرجة الدكتوراه فى النقد السينمائى، وهو من صدر له عن المركز القومى للسينما كتاب «نشرات السينما فى مصر.. اتجاهات نقدية» سنة ١٩٩٦.. فنحن أمام مؤلف ضابط شرطة وحقوقى ومصور سينمائى وناقد أكاديمى ومبدع فاعل فى مجتمعه المهنى والأكاديمى فى غير احتياج لدعم مهنى أو معلوماتى وعملى لصياغة عمل ثقافى علمى مكتمل الرؤية.
يذكر «فوزى» فى كتابه الأول «الشرطة فى عيون السينما المصرية»، الذى صدر عن «مكتبة الأسرة ٢٠٠٦» أن العلاقة بين الشرطة والسينما فى مصر تعود إلى سنة ١٩٢٨، أى بعد وقت قليل من بدء إنتاج الأفلام السينمائية الروائية الطويلة وعرضها عرضًا عامًا فى مصر، وبالتحديد فإن آخر البحوث العلمية عن تاريخ السينما فى مصر يذكر أن بداية عرض الأفلام السينمائية الروائية الطويلة كان سنة ١٩٢٣، وأن أول فيلم مصرى يتصل بشخصية رجل الشرطة وعمله كان فيلم «البحر بيضحك» إخراج ستيفان روستى، ١٩٢٨، الذى يدور فى إطار فكاهى حول شخصية رجل شرطة مسن وما يواجهه فى حياته المهنية من متاعب، وإذا كان هناك فاصل حوالى خمس سنوات بين عرض فيلم «البحر بيضحك» وبين عرض أول الأفلام الروائية الطويلة فى مصر، فإن الحقيقة أن هذا الفاصل الزمنى هو فاصل طويل من الناحية الظاهرية إذا علمنا أن فيلم «البحر بيضحك» هو الفيلم الخامس فى ترتيب الأفلام المصرية الروائية التى عرضت فى مصر منذ عام ١٩٢٣، وفى نفس العام ١٩٢٨ عرض فيلم «فاجعة فوق الهرم» إخراج إبراهيم لاما، ١٩٢٨، ويتضمن اتهام شخص برىء بجريمة القتل، فيُسجن ثم يهرب من سجنه مع آخر إلى أن تثبت براءته، وبذلك يعد هذا الفيلم أول الأفلام المصرية التى تعرض للسجون والمسجونين، ويشهد عام ١٩٢٩ موقفًا تاريخيًا يدل على عمق العلاقة بين الشرطة والسينما منذ أن بدأ الفن السينمائى يوطد أركانه فى الحياة الاجتماعية المصرية. ففى هذا العام اتجهت الشرطة المصرية لإنتاج فيلم تقوم فكرته على محاربة السموم البيضاء الفتاكة، وفى مقدمتها مخدر الكوكايين، وقد تم اختيار سيناريو هذا الفيلم من خلال مسابقة نظمها حكمدار القاهرة الإنجليزى فى ذلك الوقت بعد أن وافق عليه هذا الحكمدار، ثم وافقت عليه وزارة الداخلية، التى خصصت لإنجاز هذا الفيلم مبلغًا من المال، بل زاد الاهتمام بإنتاج هذا الفيلم، حتى فكرت الحكومة المصرية فى إخراجه ناطقًا، وكان العمل يسير فى إنجازه بانتظام إلى درجة أن هناك وصفًا كاملًا لكيفية تصوير أحد مشاهد الفيلم، وهو مشهد يتضمن معركة بين رجال الهجانة المصريين وبعض المهربين فى صحراء السويس، ومع ذلك فقد اختفى هذا الفيلم ولم يعرض عرضًا عامًا فى مصر حتى الآن. ومن الطريف أن هناك فيلمًا مصريًا يتحدث عما يسمى «بوليس الآخرة». ففى فيلم «ممنوع فى ليلة الدخلة» إخراج حسن الصيفى، ١٩٧٦ تظهر روح الزوجة المشاكسة بعد وفاتها لتقوم بالتهديد بعدم زواج أرملها من المرأة التى يرغب فى الزواج منها، وكذا تمانع فى زواج ابنتهما من الرجل الذى تحبه، وينصح أحد محضرى الأرواح بضرورة ظهور شخصية أخرى تخشاها هذه المرأة المشاكسة، فيتضح أنها كانت تخشى حماتها أم زوجها، فتظهر لها حماتها لتسلمها إلى «بوليس الآخرة» ليهنأ الأحباء بحياتهم، فالسينما المصرية تصل فى معالجتها الفيلمية، التى تشير إلى الشرطة، إلى أن تقرر أن الشرطة موجودة فى حياة المصريين حتى فى الآخرة.
وفى كتابه الأحدث «وقائع بوليسية فى السينما.. فك الاشتباك بين الأمن والإبداع»، يطرح الناقد السينمائى والباحث د. ناجى فوزى سؤالًا مفاده: هل كانت السينما المصرية موضوعية فى علاقتها بجهاز الأمن الداخلى؟ وهل أنصفت هذا الجهاز بما يتناسب مع حقيقة دوره فى المجتمع المصرى؟.
ويجيب: إن السينما المصرية قدمت معظم الشخصيات الرسمية- ومن بينها ضابط الشرطة- من الخارج كأنماط لا كنماذج، فلم تعالجها كشخوص إنسانية لها ملامحها وسماتها الخاصة وأبعادها النفسية وطبائعها وسلوكها وحركتها فى الواقع وتاريخها الخاص ووضعها الاجتماعى، وظروفها الاقتصادية وهمومها وآمالها، بل قدمتها السينما كأنماط لا تحمل سوى السمات العامة وتفتقر إلى الخصوصية، فقدمت ضابط الشرطة بصورة أحادية وإيجابية، وأحجمت عن الاقتراب من حياته الشخصية باعتباره إنسانًا إلا فى أعمال قليلة جدًا، واقتصرت فى انتقادها لجهاز الشرطة على شخصيات الجنود للأسف لدواعٍ كوميدية من منظور طبقى.