الأحد 19 يناير 2020 الموافق 24 جمادى الأولى 1441

أقارب ضحايا «الطائرة الأوكرانية» يروون لـ«الدستور» لحظات الفقد والألم

الثلاثاء 14/يناير/2020 - 01:34 م
جريدة الدستور
سارة شلبي
طباعة
في صباح الخميس 8 يناير، اهتز هاتف «محمود جديدي» أثناء وقوفه بالمطار الكندي في تورنتو، منتظرًا زوجته «سحر حاجو» وابنته «إلسا».

نظر «جديدي»، وهو إيراني يقيم في كندا، طويلًا إلى شاشة الهاتف ولم تغب ابتسامته لحظة وهو يقرأ رسالة زوجته «متلهفة لأن أحتضنك، حزينة للغاية على ترك والدتي خلفي، علينا أن نقوم بما يمكن لكي نجلب ذوينا معنا إلى كندا، الغربة قاسية».


• رسالة أخيرة

كانت تلك الرسالة الأخيرة من «سحر» إلى زوجها، إذ قضت وابنتها بعد إقلاع طائرتهما الأوكرانية من طراز «بوينج 737» من مطار «الإمام الخميني» في إيران، مع 175 راكبًا آخرين.


وفيما أعلنت طهران أنَّ «خطأ بشريًا» تسبب في إسقاط الطائرة، تساءل «جديدي»، الذي طالع صورة أخيرة لزوجته وابنته أرسلتها الأولى قبل رحلة الموت: «مَن سيعوضني حبيباتاي؟! ليتني كنت معهما».


وزارة الخارجية الأوكرانية أعلنت لاحقًا أنَّ عدد ضحايا الطائرة "82 إيرانيًا، و63 كنديًا، و11 أوكرانيًا"، إضافة إلى 9 من أفراد الطاقم الأوكراني، و10 سويديين، و4 أفغان، و3 ألمان، و3 بريطانيين.

«جديدي» واحد من ذوي الضحايا الذي فقدوا أحباءهم في كارثة مروعة، قصّ وآخرون اللحظات الأخيرة لهذه الفاجعة، لـ«الدستور».


• حلم «سميرة»

في أكتوبر الماضي، أعدت «سميرة بشيري» حقائبها للسفر مع زوجها، الذي لم يره أهلها وأحبتها في بلدتها الإيرانية، منذ عقد قرانها في كندا.


ويحكي شقيقها «محمد»، 27 عامًا، لـ«الدستور»، أنَّ «سميرة» مكثت 3 أشهر مع زوجها وعائلتها في إيران: «كنّا سعداء للغاية بأنها تعيش حياة جميلة مع شخص لطيف، وكنا قد افتقدناها كثيرًا منذ أن هاجرت إلى كندا للدراسة في جامعة تورنتو قبل سنوات».


«سوف أعود إلى إيران مرة أخرى فور ولادتي كي تباركوا طفلي»، كانت تلك آخر كلمات السيدة الإيرانية لأسرتها قبل أن تتوجه إلى قاعة انتظار الطائرة في المطار.

حلمت «سميرة» بأنَّ تسمّي ابنها على اسم أبيها، لكي يصبح رجلًا عظيمًا طيبًا «كما كان والدنا»، يقول «محمد»، الذي يعقِّب: «إنَّهم الآن سويًا في جنة واحدة، حيث يعيش الأبرياء ممن لا ذنب لهم ببشاعة هذه الحياة القاسية».


ويدعو «محمد» بأن تكون سميرة وابنها وأبوه «شفعاء لهم يوم الحساب.. حُرمنا منها بسبب إنسان مجرم».



• نهاية قصة حب

لم تتجاوز «إيفين الرسلاني»، 14 عامًا، عندما وقعت في حب «حيفا مولاني» رغم فارق السن بينهما الذي تخطى 8 سنوات.

«إيفين» فقدت حياتها على متن الطائرة بعمر 30 عامًا، وفق شقيقتها فاطيمة الرسلاني، التي قالت لـ«الدستور»: «كان (حيفا) جارنا في المنزل المقابل، وكان في البداية ينظر إلى (إيفين) على أنها طفلة صغيرة، حتى أتمت 18 عامًا، حينها وقع هو الآخر في حبها حتى أصبحت قصتهما حديث حيّنا، لرفض والدي أن يتزوجها وهو لا يمتلك عملًا أو بيتًا، لكن (إيفين) انتظرته حتى كبر وهاجر وهو في الـ31 من عمره إلى كندا ليبني لنفسه حياة جيدة يستطيع من خلالها أن يجعلها تعيش حياة جميلة، كما كان يقول لها في رسائله دومًا، مطالبًا إياها بأن تنتظره ولا تيأس».



تحكي «فاطيمة»: «هدد (حيفا) والدي بأنَّه إذا حرمه من (إيفين) سوف يقتل نفسه أمام باب منزلنا، ولن يغفر له أمام الله، وإنَّه إذا قرر تزويجها بلا موافقتها سيختطفها ويهربان سويًا إلى دولة أخرى، كان أبي يغضب حينها بشدة أمامه، لكنه كان يخبر أختي داخل منزلنا بأنه سيمهله عامًا واحدًا، وأنَّ هذا العام يضيع من عمرها هي، فتقول (فليضيع العمر كله من أجل أن أكون معه حتى لو عام واحد)».

وتضيف: «انتظرته أعوامًا عدة، وتعلَّمت الفرنسية والإنجليزية جيدًا، واجتهدت بدراستها حتى تُلحقه إلى هناك، لكنه لم ينتظر حتى عاد بعد 3 أعوام وتقدَّم للزواج منها وأخذها وسافرا إلى كندا سويًا، وبعد عدة محاولات للإنجاب حصلا أخيرًا على طفلتهما (إيماني) الجميلة».

«عادا بالطفلة إلى إيران في زيارة لنراها، يبدو أنَّها انتظرته يجتهد أمامها في الحياة ليموتا سويًا، نحن لا نستطيع أن ندرك الموت ولا ما يحدث، وجميعنا نظن أن هذا كابوس، نعيش ونحلم بأن تهاتفنا ثانية من كندا لتقول لنا كم هي سعيدة مع حبيبها، لنظن أنها في الجنة وليست في الحياة»، تروي «فاطيمة» خاتمة القصة التي أنهاها نزاع مسلّح بين واشنطن وطهران.



• «أميرتى» طفلتي الوحيدة

حزينًا يروي «مهران ديفينجيج»، وهو والد الفتاة «ديلارام»، 22 عامًا: «لقد رحلت أميرتي، قتلوها من أجل ضجة كاذبة، الجبناء قتلوا ابنتي الوحيدة، كانت تدرس الحقوق بالجامعة البريطانية في كندا، وتعيش بمنطقة فانكوفر عاصمة كندا، حُرمت منها، أتمنّى أن يكون الأمر كابوسًا سأفيق منه في أي وقت، وتعود إليّ ديلارام أميرتي».



• تزوج حديثًا

فقد المهندس «سعيد خميدي»، 35 عامًا، حياته هو الآخر على متن الطائرة، كان باحثًا في الدراسات العليا بجامعة «إمبريال» في العاصمة البريطانية لندن، وتزوج مؤخرًا من زميلته «ديلفا إبراهيم» التي كانت تدرس علم النفس بالجامعة ذاتها.

يحكي صديقه الهندي «فاولو كليمنت أوجيد»، لـ«الدستور»: «كنا جميعًا نسكن بالقرب من الجامعة في لندن، وتوجّه (سعيد) مع زوجته بعد أسابيع عدة من عقد قرانه إلى إيران، لإقامة حفل زفاف آخر هناك للاحتفال مع العائلة».

«كنت شريك (سعيد) في الغرفة بالجامعة قبل زواجه، وانتقاله إلى منزل خاص، وكان يدرس الهندسة المعلوماتية وشديد الذكاء، ويطمح لأن يتعلم كل شيء حتى يعود إلى إيران ويفيد وطنه، كما كان يقول دومًا»، يحكي «أوجيد».

وأضاف: «كنت أسخر منه ضاحكًا بأنَّه يريد أن يتعلَّم ذلك حتى يسيطرون على العالم، فيجيبني (نعم لكنني لن أسيطر على مومباي لأنك يا صديقي منها)».

وتابع: «لقد كان شابًا مهذبًا وخلوقًا أراد فقط أن يتعلَّم ويفيد الآخرين، لم يتعرَّض لأي منّا رغم المضايقات الكثيرة التي تعرض لها لكونه إيرانيًا، كان دائمًا يقول إن العالم لا يعرف كيف أن إيران بلد طيّب شعبها لا يريد شيئًا سوى أن يعيش بسلام».

خبر تحطم الطائرة الأوكرانية نزل كالصاعقة على «أوجيد»: «شعرت بالذهول، لا أستطيع أن أتخيل الأمر، الأخبار أتت عليّ وعلى أصدقاء (سعيد) صادمة، مَن يتصوّر أن يموت شخصًا تعرفه بحادث طائرة!، إن هذا الأمر نادر الحدوث، ومن المؤسف أنَّه حدث لأناس نعرفهم وعشنا سويًا لسنوات عدة».



• الضحايا صغار

يقول مرتضى سالمي، رئيس منظمة الإغاثة والإنقاد في إيران، في اتصال هاتفي مع «الدستور»: «الوضع مؤسف، وكثير من الضحايا لا يمكن التعرَّف عليهم حتى الآن».

وأضاف: «غالبية الضحايا يبدو أنهم من صغار السن لا تتجاوز أعمارهم الـ30 عامًا، وكثير منهم لم يتجاوز الـ20 عامًا، بالإضافة لعدد كبير من الأطفال ما بين عام و15 عامًا».



• بالغ الأسى

كتب «فالنتين فيكتور»، مضيف أوكراني عبر صفحته، أنَّه يشعر بشديد الحزن والأسى على فقدان زملائه، ناعيًا إياهم بكلمات بسيطة، قائلًا: «لقد حلقنا سويًا عبر دول كثيرة، وإنني أعلم أنكم الآن جميعًا في السماء تبتسمون في الأعلى بعد قسوة اللحظات الأخيرة في حياتنا هذه، ادعوا لنا من الأعلى أن تكون أقدارنا سالمة لا ألم فيها كما عشتم أيها الأبطال، نفقدكم في موقف حزين لا إنساني».