الجمعة 03 أبريل 2020 الموافق 10 شعبان 1441
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

الشيخ محمد أبوزهرة.. الناطق بالحق بشجاعة نادرة

الجمعة 10/يناير/2020 - 07:28 م
طباعة


وُلد محمد أحمد مصطفى أحمد، المعروف بأبى زهرة بمدينة المحلة الكبرى فى ٢٩ مارس ١٨٩٨م. أرسلته أسرته إلى أحد الكتاتيب التى كانت منتشرة فى أنحاء مصر تُعلِّم الأطفال وتُحفِّظهم القرآن، وقد حفظه الطفل النابه، وأجاد تعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم انتقل إلى الجامع الأحمدى بمدينة طنطا، والذى كان إحدى منارات العلم الدينى فى مصر، حيث كانت تمتلئ ساحاته بحلقات العلم التى يتصدرها كبار العلماء، وكان يُطلق عليه الأزهر الثانى، لمكانته الرفيعة.
سيطرت على أبوزهرة روح احترام الحرية والتفكير، وكره السيطرة والاستبداد، وقد عبر عن هذا الشعور المبكِّر فى حياته بقوله: «ولما أخذت أجتهد فى طلب العلم وأنا فى سن المراهقة كنت أفكِّر: لماذا يوجد الملوك؟ وبأى حق يستعبد الملوك الناس؟ فكان كبر العلماء عندى بمقدار عدم خُضوعهم لسيطرة الخديو الذى كان أمير مصر فى ذلك الوقت». وانتقل الشيخ أبوزهرة بعد ثلاث سنوات من الدراسة بالجامع الأحمدى إلى مدرسة القضاء الشرعى سنة ١٩١٦م بعد اجتيازه اختبارًا دقيقًا كان هو أول المتقدمين فيه، على الرغم من صغر سنه عنهم، وقصر المدة التى قضاها فى الدراسة والتعليم، وكانت المدرسة التى أنشأها محمد عاطف بركات تعد خريجيها لتولى مناصب القضاء الشرعى فى المحاكم المصرية، ومكث أبوزهرة فى المدرسة ثمانى سنوات يواصل حياته الدراسية حتى تخرَّج فيها سنة ١٩٢٤م، حاصلًا على عالمية القضاء الشرعى، ثم اتجه إلى دار العلوم لينال معادلتها سنة ١٩٢٧م، فاجتمع له تخصصان قويان لا بد منهما لمن يريد التمكُّن من العلوم الدينية. وبعد تخرجه عمل فى ميدان التعليم وقام بتدريس اللغة العربية فى المدارس الثانوية، ثم اختير سنة ١٩٣٣م للتدريس فى كلية أصول الدين، وكُلف بتدريس مادة الخطابة والجدل، فألقى محاضرات ممتازة فى أصول الخطابة، وتحدث عن الخطباء فى الجاهلية والإسلام، ثم كتب مؤلفًا عُدَّ الأول من نوعه فى اللغة العربية، حيث لم تفرد الخطابة قبله بكتاب مستقل. ولمَّا ذاع فضل المدرس الشاب وبراعته فى مادته اختارته كلية الحقوق المصرية لتدريس مادة الخطابة بها، وبعد مدة وجيزة عهدت إليه الكلية بتدريس مادة الشريعة، فزامل فى قسم الشريعة عددًا من أساطين العلماء مثل: أحمد إبراهيم، وأحمد أبوالفتح، وعلى قراعة، وفرج السنهورى، وكان وجود مثل هؤلاء معه يزيد المدرس الشاب دأبًا وجدة فى الدرس والبحث، حتى يرتقى إلى صفوفهم ومكانتهم الرفيعة. وتدرج أبوزهرة فى كلية الحقوق التى شهدت أخصب حياته الفكرية حتى ترأس قسم الشريعة، وشغل منصب الوكالة فيها، وأُحيل إلى التقاعد سنة ١٩٥٨م، وبعد صدور قانون تطوير الأزهر اختير الشيخ أبوزهرة عضوًا فى مجمع البحوث الإسلامية سنة ١٩٦٢م، وهو المجمع الذى أُنشئ بديلًا عن هيئة كبار العلماء، وإلى جانب هذا كان الشيخ من مؤسسى معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة، وكان يُلقى فيه محاضراته فى الشريعة الإسلامية دون أجر، وكان هذا المعهد قد أُنشِئ لمن فاتته الدراسة فى الكليات التى تُعنَى بالدراسات العربية والشرعية، فالتحق به عدد كبير من خريجى الجامعات الراغبين فى مثل هذه الدراسات.
كتب الشيخ أبوزهرة مؤلفات كثيرة؛ وتناول ثمانية من أئمة الإسلام وأعلامه الكبار بالترجمة المفصلة التى تُظهِرُ جهودهم فى الفقه فى وضوح وجلاء، وهم: أبوحنيفة، ومالك والشافعى وأحمد بن حنبل وزيد بن على وجعفر الصادق وابن حزم وابن تيمية. وقد أفرد لكل واحد منهم كتابًا مستقلًا فى محاولة رائدة ترسم حياتهم العلمية، وتُبرز أفكارهم واجتهاداتهم الفقهية، وتعرض لآثارهم العلمية التى أثرت فى مسيرة الفقه. وإلى جانب الفقه وقضاياه كان لأبى زهرة جهود طيبة فى التفسير والسيرة.
اشتهر أبوزهرة باعتزازه بعمله وعلمه وحرصه على كرامته وإقدامه على بيان ما يراه حقًا، فى وقت سكتت فيه الأصوات؛ التماسًا للأمن والسلامة من بطش من كانت بيدهم مقاليد الأمور فى البلاد، ولم يكن يردعهم خلق أو دين أو تحكم تصرفاتهم نخوة أو مروءة، فابتليت بهم البلاد وانكفأ الناس حول أنفسهم خوفًا من هول ما يسمعون، ولكن الشيخ الفقيه لم يكن من هؤلاء، وإنما كان من طراز ابن تيمية والعز بن عبدالسلام، ويروى له فى ذلك مواقف محمودة تدل على أخلاق الرجل وشجاعته. دعى الشيخ أبوزهرة إلى مؤتمر إسلامى مع جماعة من كبار العلماء فى العالم الإسلامى، وكان رئيس الدولة الداعية من ذوى البطش والاستبداد؛ فافتتح المؤتمر بكلمة يعلن فيها ما يسميه اشتراكية الإسلام، ودعا الحاضرين من العلماء إلى تأييد ما يراه والدعوة له. وبعد انتهاء الكلمة ساد قاعة الاحتفال صمت رهيب قطعه صوت الشيخ أبوزهرة طالبًا الكلمة، فلما اعتلى المنبر قال فى شجاعة: «إننا نحن علماء الإسلام الذين نعرف حكم الله فى قضايا الدولة ومشكلات الناس، وقد جئنا إلى هنا لنعلن بما نعرف، وإن على رؤساء الدول أن يعرفوا قدرهم ويتركوا الحديث فى العلم إلى أهله»، ثم اتجه إلى رئيس الدولة الداعية قائلًا: «إنك تفضلت بدعوة العلماء لتسمع أقوالهم لا لتعلن رأيًا لا يجدونه صوابًا مهمًا هتف به رئيس، فلتتق الله فى شرع الله». فبهت رئيس الدولة وغادر القاعة.
كان له الكثير من البحوث فى العديد من المجلات والاجتماعية: مجلة القانون والاقتصاد ومجلة «المسلمون» ومجلة حضارة الإسلام، ومجلة القانون الدولى، وكتاب أسبوع الفقه الإسلامى، وكتاب أسبوع القانون والعلوم السياسية، ومجلة الأزهر، ومجلة العربى، والعديد من المجلات بمختلف الدول العربية. وكذلك عدد لا يحصى من الأحاديث الصحفية للدفاع عن قوانين الأحوال الشخصية.
عقد الإمام محمد أبوزهرة فى أواخر عام ١٩٧٣ وأوائل عام ١٩٧٤ العديد من الندوات والاجتماعات بجامعتى القاهرة والإسكندرية وفى جمعية الشبان المسلمين، وكانت له صولات وجولات فى مجمع البحوث الإسلامية والأزهر بخصوص تحديد النسل وتقييد تعدد الزوجات والطلاق فى مشروع قانون الأحوال الشخصية لوزارة الشئون الاجتماعية، وقرر فضيلة الإمام إقامة مؤتمر شعبى لمناقشة هذا الأمر فى سرادق كبير فى شارع العزيز بالله أمام منزله بضاحية الزيتون، أقامه الإمام على نفقته الخاصة وقام فضيلته بمعاينة المكان وإنشاء السرادق مبكرًا فى صباح يوم الجمعة ١٢ أبريل ١٩٧٤ ثم عاد إلى حجرة المكتب بالدور العلوى، وشرع فى إكمال تفسير سورة النمل حتى أذان الظهر، وأثناء نزول فضيلته حاملًا القلم والمصحف مفتوحًا على آخر ما وصل إليه فى التفسير وأيضًا الورق الذى به ما كتب من التفسير تعثر وسقط ساجدًا على المصحف وعلى أوراق التفسير، ثم فاضت روحه إلى بارئها أثناء أذان المغرب. رحل الإمام محمد أبوزهرة بعد أن قدم صورة ناصعة البياض فى الشجاعة المطلقة ولم يخش بطش أى إنسان، إذ جعل على الله كل اتكاله.
ads