الأحد 29 مارس 2020 الموافق 05 شعبان 1441
مدحت بشاى
مدحت بشاى

الثقافة الاجتماعية والزمن الذي عزّ فيه الشرف

الخميس 09/يناير/2020 - 08:31 م
طباعة
كثيرًا ما يطرأ على ذهنى ويدور فى خلدى: لماذا يتصور البعض أن الدولة، أى دولة، قادرة ومن مهامها إنتاج شكل معين من الثقافة الاجتماعية التى ينتجها البشر فى أى مجتمع بسلوكياته وتوجهاته المستجيبة للبيئة والتاريخ بكل متغيراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟

هل من الممكن أن تقوم الدولة بدعوة نخبتها ومجموعة من الخبراء لاجتماع عاجل وجلسة عرب، بالمفهوم الفلكلورى، لاتخاذ القرارات وسن التشريعات بدعوة مجلس النواب، ليضع أطرًا ومحددات لسلوكيات المواطن وأخلاقياته، وتوزيع المهام على الوزارات والهيئات والأجهزة المعنية ليتشارك الجميع فى تلقين الناس بشكل فوقى سلوكيات وأخلاقيات وردود أفعال سابقة التجهيز؟!

هل تنجح أجهزة ومؤسسات أى دولة فيما لم تنجح فيه العقائد والأديان مع شعوب طيبة ومتدينة وفق التقديرات المتعارف على مظاهرها فى مجال تصويب وتغيير السلوكيات والأخلاقيات والقيم السلبية؟
هناك- للأسف- أداء اجتماعى يصدر عن ثقافة اجتماعية تشكلت وتكلست أساسياتها حتى صارت مكونًا لعادات وتقاليد يومية تمارس ببساطة ودون إبداء أى حرج ملحوظ! اليوم تعيث فى البلاد ثقافة اجتماعية أنتجها المجتمع وتشكل متغيرات فى التركيبة الخاصة السابقة للمواطن المصرى.. والتى من بينها كأمثلة وعناوين:

- السهر إلى ساعات متأخرة فى الليل وبداية يوم العمل فى وقت متأخر.

- افتقاد روح العمل بإتقان وجودة، حتى باتت هناك تخوفات لدى الجهات الساعية للحصول على علامات الجودة أن يذهب المشرفون على إدارة تلك المنظومة إلى اللجوء لحيل فهلوية لاستيفاء الأوراق واستكمال الإطار المظهرى للحصول على شهادة الجودة عن غير استحقاق.

- انتشار ظواهر الغش بكل نوعياته ومجالات تفعيله ووجوده، وتعدد أعمار ممارسيه.

- انتشار ظاهرة العنف ضد المرأة وضد الطفل بأشكال وصور جديدة غير مسبوقة.

- التعصب والتنمّر والتمييز والكراهية والتطرف والعبث بالمال العام وإهدار الوقت والحرص على الإثراء السريع دون استحقاق وتفعيل علوم الفهلوة والدجل والتزييف وغيرها.

وفى النهاية تعد كل تلك الظواهر وتناميها، مع وجود ظاهرة التناسل الهوجائى التى تجتاح التنمية، تعبير فاضح عن عدم اتساق الثقافة الاجتماعية المصرة على الإنجاب بكميات غير محدودة مع معايير العقل التى تقيم إمكانيات البلد، ثم يزداد الطلب على الهجرة الشرعية وغير الشرعية التى تشكل بدورها السبيل السريع لاستيراد ثقافات سلبية غاية فى التخلف والارتداد لأزمنة وسلوكيات وقيم كنا فى مصر قد تجاوزناها، ويساعد فائض التخلف هذا فى تشكيل مجتمع الممارسات الفاسدة، والتى تذهب بنا إلى تراجع آليات التنمية، وليتحول الفساد نفسه إلى جزء من الثقافة الاجتماعية، تدافع هذه الثقافة عنه ساهية عن سلبياته وكوارثه البشعة.

للثقافة الاجتماعية ارتباط وثيق بالقيم الأخلاقية، وذلك عبر ممارسات تعارفنا عليها كعادات وسلوكيات مميزة لمجتمع عاش مواطنوه متغيرات مؤثرة على الجوانب النفسية والعاطفية والاجتماعية، ولم تفلح- فى الغالب الأعم- المنظومات المعدة للتنشئة والتعليم والتربية السلوكية فى التعامل الإيجابى معها بالتهذيب ووضع الأسس الصالحة، والتى إن لم تجد المعالجات الناجحة كان الذهاب إلى الفساد الأخلاقى وانتشار القيم المنحرفة وتفشى الجرائم المجتمعية.

ويبقى السؤال: هل نستمر فى حالة المعاناة إلى حد تحذير ووصف الرئيس السيسى بأننا بتنا فى زمن عز فيه الشرف؟.

لا بد من خلخلة هذه الثقافة، إن حالة الانسداد المجتمعى باتت تنذر بمخاطر وتبعات مؤلمة.

يا مؤسسات المجتمع المدنى.. يا أحزاب.. يا مراكز البحوث واستطلاع الرأى.. يا إعلام.. يا شباب التواصل الاجتماعى.. يا مؤسساتنا الدينية.. يا مؤسسات الثقافة.. يا صُناع الدراما.. يا كل أهل الإبداع.. أظنكم جميعًا تتابعون ازدياد مساحات القبح والرذائل والسخائم فى الشارع المصرى.. أرجوكم وباسم الأجيال القادمة العمل الجاد وبتعاون منجز لتشكيل منظومة وطنية لعودة القيم الإيجابية النبيلة.. إنها معركة مهمة ومشوار ضرورى ينبغى الوصول إلى نهايته بكل سرعة وحماس.
ads