الخميس 09 أبريل 2020 الموافق 16 شعبان 1441
جمال طه
جمال طه

حرب الاغتيالات وانقلاب التوازن فى العراق

الخميس 09/يناير/2020 - 08:28 م
طباعة
البداية كانت إيرانية.. خطة خارج الصندوق، لمواجهة العداء لها، الذى انتشر كالهشيم بين العراقيين، خاصة شيعة الجنوب، الذين يطالبون بطردها من بلادهم؛ ارتكزت على هجمات ضد القواعد الأمريكية، لرفع تكلفة وجودها، والرد على سياسة الحصار، توجتها فى ٢٨ ديسمبر بـ٣٠ صاروخ كاتيوشا ضد قاعدة «كى وان» قرب كركوك، ما أسفر عن مقتل مقاول أمريكى وإصابة آخرين.. عملاؤها كانوا يترقبون الانتقام الأمريكى، ليحددوا ساعة الصفر لاستكمال باقى الخطة، التى تستهدف خلق بؤرة اهتمام جديدة، يتم استخدامها فى تعبئة جماهيرية واسعة ضد الوجود الأمريكى فى العراق.

الطيران الأمريكى شن غارات على مدينة القائم قرب الحدود العراقية السورية ٢٩ ديسمبر الماضى، مستهدفًا خمس قواعد، تضم اللواءين ٤٥ و٤٦ التابعين لـ«الحشد الشعبى»، تنتمى عناصرهما إلى كتائب «حزب الله»، الموالية لإيران، المتورطة فى قصف القاعدة، ما أدى لمقتل ٢٨ وإصابة ٤٨.. ترامب صاحب الفكرة اهتم بالاعتبارات الداخلية التى تتعلق بتعزيز موقفه الانتخابى، وأغفل أن طيرانه انطلق من قواعد عراقية، ليقصف مواقع عراقية، تؤمنها وحدات «الحشد» العراقية التابعة للقيادة العامة للجيش.. انتهك سيادة العراق وأهان حكومته وقواته المسلحة وأساء لعلاقات الشراكة، التى تستهدف عمليات التدريب والتسليح والتعاون ضد إرهاب «داعش».

رد فعل «الحشد الشعبى» كان جاهزًا. اقتحم المنطقة الخضراء ببغداد ٣١ ديسمبر، وعبر إلى باحة السفارة الأمريكية وأضرم النيران فى نقطة أمنية. عناصر «الحشد» كانت ترتدى الملابس العسكرية الرسمية، وترفع رايات «حزب الله»، يتصدرها فالح الفياض، رئيس هيئة «الحشد»، ونائبه «أبومهدى المهندس»، وهادى العامرى زعيم «تحالف الفتح»، وقيس الخزعلى، أمين عام «عصائب أهل الحق».. كلهم قيادات مؤثرة داخل النظام السياسى وتكاد تكون رسمية.. الاقتحام سبب ارتباكًا لأمريكا التى كانت بالأمس تؤيد المتظاهرين المطالبين بالحرية والتخلص من إيران، فصارت تندد بالمتظاهرين حول السفارة وتدعوهم لإنهاء الاعتصام.. اضطرت لدعم قواتها بـ٤٠٠٠ جندى، بعد أن كانت تعتزم تخفيف وجودها.. أى إرباك سياسى دفعت باتجاهه رعونة ترامب؟!

الانتقام من اقتحام السفارة تم بتعليمات مباشرة من ترامب، طائرة مسيرة اغتالت قاسم سليمانى، قائد فيلق القدس، و«المهندس» نائب قائد «الحشد» و٨ من كبار المرافقين، ليتسارع التصعيد وتختلط الأوراق بصورة لم تشهدها المنطقة منذ عقود.. اغتيال زائر رسمى للدولة العراقية بمستوى سليمانى، وقيادات رفيعة لـ«الحشد» أدى إلى ارتباك أخل بكل التوازنات، حتى فى الحراك الشعبى؛ قبلها كانت التظاهرات تتفق على التنديد بالنفوذ الإيرانى، بعدها صارت منقسمة بين فريق لا يزال يندد به، وآخر صار يندد بالوجود العسكرى الأمريكى.. تجسد ذلك الانقسام فى الناصرية على نحو مؤلم، حيث تجمع حشد لتشييع جنازتى «المهندس» و«سليمانى»، فاستهدفه حشد معارض، ما أسقط القتلى والجرحى.. حتى الشخصيات السياسية والدينية المفترض فيها التوازن وعدم الانحياز أدانت «عبدالمهدى، رئيس الوزراء وبرهم صالح رئيس الجمهورية، وعمار الحكيم، والسيستانى المرجع الأعلى الذى أفتى بحرمة الوجود الأمريكى».. أما مقتدى الصدر فقد أمر باستئناف نشاطات «جيش المهدى»، أبرز قوة مسلحة شيعية قاتلت أمريكا فى العراق، ودعا إلى اجتماع لتشكيل أفواج لـ«المقاومة الدولية».. أمريكا خسرت الكثير بسوء حساباتها.

ميليشيا «الحشد» والتنظيمات والتكتلات الموالية لإيران، نجحت فى توظيف سوء الحسابات الأمريكية جيدًا، واستثمار مناخ الغضب، بممارسة الضغوط والتهديدات، ليتخذ البرلمان قرارًا، فى ٥ يناير الجارى، يلزم الحكومة بإلغاء الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، وإنهاء تواجد القوات الأجنبية، وإلغاء طلب المساعدة المقدم للتحالف الدولى المتعلق بمحاربة «داعش»، وتقديم شكوى ضد واشنطن فى مجلس الأمن.. القرار يلغى نظريًا تحالف الدولتين، وينهى الوجود الأمريكى فى العراق، ولكن تنفيذه عمليًا ليس بالأمر اليسير؛ فهو ضد مصالح العراق، لأنه يُخل بالتوازن الاستراتيجى داخله، فى ظل وجود إيرانى يسعى لتعميق نفوذه السياسى، ويعزز من سيطرة الطائفة الشيعية، وينتظر الفرصة لابتلاع الدولة، ولعل ذلك هو السبب فى غياب معظم النواب السنة والأكراد عن جلسة التصويت رفضًا للقرار، بالإضافة إلى حاجة العراق لدعم التحالف الدولى لتصفية جيوب «داعش»، التى تبحث عن فرصة للعودة من جديد، وعدم استعداده لمواجهة الأعباء الاقتصادية المترتبة على إخلاء القواعد الأمريكية، خاصة تعويض واشنطن عن نفقاتها وتكلفة منشآتها، بل أيضًا تعويضات حرب الكويت، التى لم تسو حتى الآن.. إجبار أمريكا على الانسحاب كارثة وطنية عراقية بكل المقاييس. ومن ناحية أمريكا فإن انسحاب ٥٢٠٠ جندى على هذا النحو المخزى، ليس فى صالح أمريكا أيضًا. فقد أنفقت فى العراق تريليونى دولار، بخلاف المليارات التى شيدت بها أحدث القواعد العسكرية فى العالم، لتكون بديلًا استراتيجيًا للقواعد العسكرية الأمريكية فى تركيا المهددة بالإغلاق، نتيجة لتدهور العلاقات معها.

أمريكا انسحبت من سوريا، باستثناء تشكيل رمزى، اعتمادًا على وجودها العسكرى بالعراق، لذلك فإن رحيلها منه يعنى مغادرة المنطقة تمامًا، وتركها لقمة سائغة لروسيا وإيران وتركيا، تقتسم مناطق النفوذ فيها، فى غياب كل دول التحالف الغربى، الذى لا موضع لوجوده بعد الانسحاب الأمريكى، مما يمثل انقلابًا جذريًا فى توازنات القوى بالمنطقة.

ولكن، بمجرد أن تهدأ عاصفة الاغتيال ربما تبدأ المراجعات.. التراجع عن قرار البرلمان ممكن، لأنه اتخذ بعد تهديدات صريحة لرئيسه وللنواب، وتم دون الرجوع لقيادة أركان الجيش لمعرفة تأثيره على الأمن القومى للدولة، إضافة لعدم الاتفاق على إجراءات الانسحاب، من حيث المهلة الزمنية والتعويضات، وكل ما يتعلق بالاحتياطات الكفيلة بعدم تعرض القوات لمخاطر الانسحاب المفاجئ. فالقوات الأمريكية تتربص بها ميليشيا «الحشد»، والعراقية تنهار لاعتمادها على القوة الجوية، والتسهيلات والدعم اللوجستى والمعلوماتى الأمريكى.

رد فعل إيران على عملية الاغتيال هو موضوع الساعة، وبداية نؤكد نقطتين.. الأولى: إنه مهما كان حجمه فهو لن يعادل خسارتها قيادة استراتيجية فى حجم سليمانى.. الثانية: أن الأزمة المتعلقة باستمرار تواجد القوات الأمريكية بالعراق من عدمه، تكفى إيران كصفعة استراتيجية ردًا على سياسة الحصار الأمريكى، والتظاهرات المعادية فى لبنان والعراق والداخل الإيرانى، وانتقامًا لاغتيال سليمانى.. لكن عملية الانتقام التى تستهدف الرأى العام المحلى جاءت محدودة، وترك للإعلام مهمة تضخيمها، لأن إيران لا تحتمل ردود الفعل الأمريكية التى يمكن أن تستهدف أراضيها، خاصة بعدما أكدت واشنطن أنه حتى لو اتخذ وكلاء إيران فى المنطقة إجراء معاديًا، فسوف تعتبر واشنطن طهران مسئولة مباشرة عنه.. والحقيقة أن هؤلاء الوكلاء يواجهون ظروفًا قد لا تسمح لهم برد يعول عليه.

الحوثيون فشلوا فى تهديد طرق النفط فى البحر الأحمر، وتهديدهم السعودية موضع شك بعد وصول الدفاعات الأمريكية، والفرصة مهيأة لمفاوضات سلام لا ينبغى إجهاضها.. حماس والجهاد الإسلامى حريصتان على الهدنة مع إسرائيل بما يتجاوز رغبتهما فى الانتقام، بقدراتهما المتواضعة.. وحسن نصرالله أكد اقتصار رد الفعل على أهداف أمريكية، دون أى ذكر لإسرائيل.. أما التشكيلات التابعة لإيران فى سوريا فهى هدف لإسرائيل أكثر من أن تكون مصدرًا للانتقام.. إذن الرد سيظل فى حدود العراق، وداخل الوحدات العسكرية الأمريكية، وسفارتها فى بغداد، وربما تم استهداف إحدى السفارات الأمريكية أو بعثاتها العسكرية فى الخارج.

أمريكا شجعت إيران على التدخل فى العراق بعد غزوه عام ٢٠٠٣، لتوازن دور السنة وحزب البعث والجيش المنحل، ما سمح لها بأن تلعب الدور الرئيسى فى التوازنات الداخلية بالبلاد، وهو ما شجعها على مناطحة الوجود الأمريكى ذاته.

الطرفان تعاونا خلال الحرب على داعش، ومع تراجع خطر التنظيم ظهر التنافس حادًا، توجته أمريكا بحصار لتعجيز إيران اقتصاديًا، بعد الإطاحة بالاتفاق النووى، مما فرض على طهران محاولة حسم التنافس لصالحها، بزيادة تكلفة بقاء القوات الأمريكية، وتفجير خلافاتها مع الحكومة العراقية، مما يفسر ما شهدته الفترة الأخيرة من إشكاليات فى التعامل، حيث تبين للأمريكيين أن بعض الضباط الذين تولوا تدريبهم استقطبتهم ميليشيات «الحشد»، أو كانوا ينتمون لها أصلًا.. القوات العراقية بدأت تستبعد الأمريكيين من العمليات المناهضة لـ«داعش»، وتفرض عليهم قيودًا فى التحرك خارج القواعد، وحددت لهم مناطق يحظر فيها الطيران.. عملية الاغتيال الترامبية بدوافعها الانتخابية، لم تراع حساسية توازن القوى داخل العراق، وانعكاساتها على الوجود الأمريكى، ما عرض المصالح الأمريكية والاستقرار فى المنطقة لمخاطر جسيمة.. الاستراتيجية الأمريكية فى عهد ترامب تعانى ارتباكًا وتخبطًا على نحو قد لا نراه إلا فى «جمهوريات الموز».
ads