الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثانية 1441
نرمين يسر
نرمين يسر

The two popes.. حكاية عن التسامح والتشدد

الخميس 09/يناير/2020 - 05:39 م
طباعة
مرة أخرى يُقدم الكاتب النيوزلاندي أنطوني مكارتن، سيرة ذاتية أخرى، وواقعة تاريخية حقيقية، بعدما عرف الجمهور العالمي أفلامه Theory of everything عن حياة الفيزيائي ستيفن هوكنج، وbohemian rhapsody عن حياة المطرب الأشهر فريدي مركيوري وفريق كوين الغنائي؛ وكما برع مكارتن في تصوير سيرة هؤلاء، عاد ليؤكد على هذه البراعة في أحدث أفلامه، والذي تناول واقعة تاريخية شديدة الندرة في مؤسسة الفاتيكان، والتي يتبع سلطتها الدينية مليارات من البشر.

انتخاب بابا الفاتيكان هو اختيار من الرب، ولذلك تتسم انتخابات الكرسي البابوي بطقوس ذات قالب روحاني أشبه بأن تكون مراسم أسطورية من حيث الشكل والتنظيم والاحتفالات؛ تأتي بعد انتظار مضني لعشرات الآلاف من اتباع الكنيسة في الساحة المواجهة للمقر البابوي والذين يترقبون في لهفة لون الدخان المتصاعد من المدخنة الرئيسية للكنيسة، فإذا كان أسود فقد فشل الاقتراع ومحاولة اختيار البابا، بينما يقيمون الاحتفالات وتتعالى الصيحات إذا ظهر الدخان باللون الأبيض، وهو ما يعني أنه تم الانتخاب، ليظهر المختار في الشرفة رافعًا يديه ويلقي التحية على الشعب الكاثوليكي الذي ينتظره.

فيلم The two popes / الباباون قد يبدو عنوانه غريبًا، أن يكون هناك اثنين يحظيان باللقب الكنسي الأرفع، لأن الفاتيكان يرأسه بابا واحد فقط، لكن الفيلم أراد تسجيل واقعة حقيقية بدأها بمشاهد أرشيفية من جنازة البابا يوحنا بولس الثاني، الذي تنيح في أبريل 2005، والذي طالب بإنقاذ الكاثوليكية التي تُعاني مؤسساتها أوجه عدة من القصور، ما يدفع الكثيرين إلى الإلحاد.

هذه النقطة هي محور حديثنا عن فيلم متميز واستثنائي يدور بين البابا بينديكت السادس عشر /أنطوني هوبكنز والبابا فرنسيس/ جوناثان برايس.

عندما أراد البابا بيندكت التقاعد لدواعي التقدم في العمر كان يرغب في أن يخلفه البابا فرنسيس، الذي كان يحمل اسم الكاردينال خورخي بورجوليو قبل خلافته الباباويه؛ لذا يطلب بيندكيت حضور خورخي، ولكنه يحضر إلى روما ويطلب مقابلته في مفاجأة تصور البابا من خلالها أن الرب ما زال يستمع إليه رغم أنه لا يسمع صوت الرب من فترة بعيدة -كما أوضح لخورخي في اعترافاته- حيث يطلب الكاردينال الاستقالة التي لم يستطيع أحد القساوسة أو الكرادلة في التقدم بطلبها على مدار تاريخ المؤسسة الدينية سوى بضع باباوات آخرهم كان البابا جريجوري الثاني عشر فى العام 1415؛ مما يدل على خطورة المطلب الذي جاء من أجله الكاردينال خورخي، والذي سوف يحمل اسم البابا فرانسيس فيما بعد.

ومن نقطة اللقاء بين البابا الألماني المحافظ والأسقف الأرجنتيني الثائر والمتحضر -والذي يرفض كل سلطة تضخ الأساطير فى آذان أفراد طائفته إلى أن يتم تنصيبه بابا الفاتيكان باسم فرانسيس- يدور حوار يستمر طيلة أحداث الفيلم دون ملل أو رتابة. بدا الحوار بين الممثلين المخضرمين مثل لعبة الـ"بنج بونج"، فكل منهما يضرب الكرة ليتلقاها الآخر على مضربه عائدة ومحملة بالمزيد من الخوض في التفاصيل وعمق الحديث عن اختلاف الأيديولوجيات بين اثنين من المذهب الديني نفسه، مع مناقشات لاهوتية يُحرّم الخوض في أغوارها. حوار طويل لا ينقطع بين أسقف مدينة بيونس آيرس التقدمي وبابا الفاتيكان الذي يتبع نهج الأولين ممن سبقوه.

لم يقتصر الحوار بين الرجلين على شد وجذب بين ما يُمكن فعله وما هو مُحرّم؛ بل انطلق العجوزان يرويان حكايات من شبابهما البعيد، منها قصة حب خورخي التي انتهت بإشارة من الله عندما ضل طريقه لمنزل حبيبته ليعرض عليها الزواج فقاده الطريق إلى الكنيسة ليستمع إلى اعتراف أحد المذنبين، فيفسر ما حدث بأنه إشارة لخوض تجربة الخدمة في الكنيسة، ومن يومها وخورخي يُلقى مواعظ الآحاد في الهواء الطلق مع الموسيقى، ويجلس في الحانات ليلًا، ويصادق كل من طلب منه المساعدة أو الغفران؛ بينما بينديكت قضى شبابه في البحث والدراسة مُكتفيًا بشراب الـ"فانتا" أثناء متابعته لبرنامج كوميدي شهير، حيث يكمن التضاد الواضح للمشاهدين بين كل من الرجلين اللذان سوف ينقسم الجمهور بين مؤيد ومعارض لأفكار كُلًا منهما على حد سواء.

نكنشف أن البابا بينديكت من الفصيل الخائف الذي يتيع الآية القرآنية التي تقول "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم"، فتجده يحاول تطبيق قوانين مؤسسة الفاتيكان الدينية حرفيًا ويعيش فى رفاهية منحتها له سلطة البابوية، في حين أن خورخي لا يأبه بذلك لأنه اختار الاقتراب من عامة الكاثوليك في محاولة منه لإنقاذ سمعة الكنيسة، بعد ما تردد عنها من انتهاكات جنسية وسياسية.

برع المخرج فرناندوا ميرليس في أن يقوم بدور المتلصص الذي تم زرعه في أروقة الفاتيكان، ليكشف عن الاعتراف والانتهاك والتسامح في مشاهد تبدو كأنها ارتجالية، وكأن من يظهرون على الكاميرا لا يعلمون بوجودها، لينطلق كلا من الممثلان في تسريب المزيد من الحكايات غير المعروفة والاعترافات المسكوت عنها. أحيانًا تنتقل الكاميرا من جانب وجه البابا بينديكت الأيسر إلى جانب وجه خورخي الأيسر أيضًا في توازي يدل على أن كليهما متساويان في مناطحة أحدهما الآخر برأسيهما الممتلئان بالأفكار، سواء الرجعية منها أو التقدمية.

أجادت الكاميرا رصد مشهد اعتراف البابا بنديكت نفسه للكاردينال، فقد سلطت لقطة بعيدة لتوثيق جلسته أرضًا رافعًا ذراعه إلى الأعلى يطلب الفصح، ومن ثم تضيق لتجمعهما سويًا فى لقطة لا تحتاج إلى تفسير أو جملة حواية تعبر عن اتفاقهما أخيرًا على أن المؤسسة الدينية الكاثوليكية يجب أن تحظى بضخ دماء جديدة بعد عشرات القرون من الركود الفكري.

هذا، وبعد أن خاضا الباباوان حوارًا لا يتوقع أحد إجراؤه، اتسم بالخوض في أسس وثوابت الكاثوليكية التي لا يُمكن التشكيك في تعاليمها ـ وصولًا للنقاش في الذات الإلهية نفسهاـ وتلك أيضًا من الموضوعات غير القابلة للمناقشة، لكنهما فعلاها.