الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثانية 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

القصف إيراني.. والمكاسب أمريكية!

الأربعاء 08/يناير/2020 - 07:57 م
طباعة
رآها البعض مجرد استعراض إيرانى لحفظ ماء الوجه، وأكد آخرون أنها صفعة قوية على وجه الولايات المتحدة. لكن ما لا يمكن الخلاف بشأنه هو أن الهجمات الصاروخية الإيرانية، على قاعدتين عسكريتين فى العراق، تأتى استكمالًا لـ«الخناقة الأمريكية الإيرانية» على جثة البلد الشقيق، الذى تحول إلى «مُولد وصاحبه تايه»، وتحت هذا العنوان، أشرنا منذ أسبوع تقريبًا، إلى أن المواجهة بين الطرفين، صارت على المكشوف، بعد سلسلة هجمات استهدفت قواعد عسكرية، بدأت منذ أكثر من شهرين، تحديدًا منذ ٢٨ أكتوبر الماضى.
أحد عشر هجومًا، لم تعلن أى جهة مسئوليتها عنها، لكن واشنطن اتهمت مجموعات مسلحة موالية لإيران بالوقوف خلفها. ومع مصرع متعاقد «مقاول» أمريكى فى الهجمة الثانية عشرة، ردت الولايات المتحدة بقصف خمسة مواقع تابعة لكتائب «حزب الله العراقى»، أسفر عن مقتل ٢٥ شخصًا، على الأقل، وإصابة العشرات. ثم جاءت أعمال الشغب أمام السفارة الأمريكية، فى بغداد، لترد عليها الولايات المتحدة بتصفية قاسم سليمانى، قائد «فيلق القدس»، مع عدد من رفاقه وعملائه، أبرزهم أبومهدى المهندس، نائب قائد ميليشيات «الحشد الشعبى العراقى». وهنا، حبس العالم أنفاسه انتظارًا لرد فعل إيران، التى هددّت بالانتقام.
بـ١٢ أو ١٥ أو ٢٢ صاروخًا من طراز «العيار اللى ما يصيبش يدوش»، استهدفت إيران، فى ساعة مبكرة من صباح الأربعاء، قاعدتين عراقيتين، تستضيفان قوات أمريكية، إحداهما قاعدة «عين الأسد»، التى قيل إنها تشهد عمليات توسعة، لإنشاء مطار دولى عملاق لطائرات «بى ٥٢». وذكرت مصادر أمنية عراقية، الثلاثاء، أن القوات الأمريكية المتمركزة فى القاعدة، فرضت إجراءات أمنية مشددة، تمهيدًا لبدء إنشاء ذلك المطار «فى القريب العاجل».
قبل ساعات قليلة من انطلاق الصواريخ الإيرانية، قام مسلحون مجهولون بتنفيذ هجوم وسط مدينة الناصرية، بمحافظة ذى قار جنوبى العراق، وأُطلقت النار على محتجين وأُحرقت خيامهم، وأعلنت مصادر طبية عن إصابة ٦ أشخاص على الأقل، بعضهم فى حال خطرة. وفى وقت سابق، من اليوم نفسه، وقعت اشتباكات بين قوات مكافحة الشغب وعدد من المتظاهرين فى حى البلدية وسط مدينة كربلاء. كما سقط سهوًا أو عمدًا خبر مصرع ٣ جنود عراقيين، يوم الأحد، فى هجوم نفذه تنظيم «داعش»، على إحدى قرى محافظة كركوك، ولم يهتم أحد بمصير جندى تم أسره أو اختطافه. ولعلك لاحظت أن أخبار المظاهرات، التى يشهدها العراق، اختفت أو كادت.
المظاهرات جاءت اعتراضًا على النظام السياسى، الذى يراه العراقيون تابعًا، عميلًا، فاسدًا وعاجزًا عن إيجاد أى حلول لأزماتهم المعيشية. وطالبت بوضع حد للنفوذ الإيرانى، وأجبرت عادل عبدالمهدى، رئيس الحكومة، المدعوم من إيران، على تقديم استقالته. ولأنه لا يزال يترأس حكومة تسيير أو تصريف الأعمال فقد أدان، بصفته، فى جلسة استثنائية عقدها البرلمان العراقى، قتل سليمانى والمهندس، لا يترك أمام بغداد سوى «خيارين»: إما «إنهاء تواجد القوات بإجراءات عاجلة ووضع الترتيبات لذلك» أو «العودة إلى مسودة قرار كانت مطروحة أمام مجلس النواب تنص على شروط تواجد أى قوات أجنبية».
فى تلك الجلسة الاستثنائية التى انعقدت، الأحد، بحضور ١٧٠ نائبًا شيعيًا، وغاب عنها ١٥٩ يمثلون السنة والأكراد، أصدر البرلمان العراقى قرارًا يلزم الحكومة بإلغاء طلب المساعدة المقدم منها إلى التحالف الدولى لمحاربة تنظيم «داعش». والعمل على إنهاء تواجد أى قوات أجنبية فى البلاد ومنعها من استخدام الأجواء العراقية لأى سبب كان. ولم تمض ساعات على صدور القرار، حتى ظهرت رسالة، يطالب فيها قائد العمليات العسكرية الأمريكية فى العراق، بـ«إعادة التموضع بهدف الانسحاب»، وهى الرسالة التى أعلنت واشنطن، لاحقًا، أنها كانت مجرد مسودة «ركيكة الصياغة»، جرى إرسالها عن طريق الخطأ!.
بشكل قاطع، نفى مارك إسبر، وزير الدفاع الأمريكى، أن تكون بلاده قد قرّرت إخراج قواتها من العراق. ثم أعلن الرئيس الأمربكى دونالد ترامب أن ذلك سيكون «أسوأ ما قد يحدث للعراق»، لأنه سيترك «موطئ قدم أكبر لإيران»، زاعمًا أن العراقيين «لا يريدون أن تعبث إيران ببلادهم». كما تحدث عن «تكاليف» طالب العراق بسدادها، وهدد بفرض عقوبات قاسية. وبالفعل، تسلم الرئيس العراقى، برهم صالح، نسخة غير موقعة من قرار فرض عقوبات أمريكية على العراق، حال إصراره على إخراج القوات الأمريكية من أراضيه!.
الرسالة، أو المسودة الركيكة، ترجّح أن خيار سحب القوات الأمريكية من العراق مطروح على طاولة النقاش داخل الولايات المتحدة، لكنه لا يزال محل خلافات أو انقسامات، نعتقد أن الهجمات الصاروخية الإيرانية قد تحسمها، أو على الأقل ستعيد النقاش إلى مربعه الأول. وربما لهذا السبب، قال الرئيس الأمريكى: «كل شىء على ما يرام»!.