الخميس 20 فبراير 2020 الموافق 26 جمادى الثانية 1441
محمد العسيري
محمد العسيري

محمد العسيري يكتب: وزارة الثقافة.. المشاريع الكبرى وخناقات الحوارى!

الإثنين 06/يناير/2020 - 07:59 م
طباعة
أتابع بشغف ما يحدث فى وزارة الثقافة، لأننى أعرف أن الأيام المقبلة تحتاج لأنوار بقدر أكبر بكثير من حجم الظلام الذى يحاوط منطقتنا العربية، والشرق الأوسط بحاله.
من الثقافة تبدأ الحرب.. وبالثقافة تنتهى.. هذا ما أؤمن به.. فأصل ما يجرى حولنا.. وكل ما يهددنا أساسه «فكرة».. أساسه تاريخ مزور يردده الببغاوات من جنود أردوغان ومن على شاكلته.. أوهام الخلافة ليست مشروعًا سياسيًا.. هى مشروع ثقافى مضلل بالأساس.. استغله السياسيون مثلما استغلوا أدمغة الجهلة فى عالمنا الشرق الأوسطى لاحتلاله ونهب ثرواته بعد السيطرة على أفكاره.. وعقله.
بهذا الفهم تابعت تلك الأخبار التى خرجت من اجتماع مهم جرى نهاية العام الماضى، ومع مطلع عام جديد نظنه الأهم فى تاريخ الثقافة المصرية.
وأظنها المرة الأولى، منذ سنوات بعيدة، التى يجلس فيها رئيس وزراء مصر مع وزير ثقافتها، لمتابعة محاور مشروعات متكاملة وضعتها مصر للأيام المقبلة.
الأمر لا يعدو مجرد مشروعات.. حتى ولو كانت بحجم المتحف المصرى الكبير.. أو إعادة إحياء أو تطوير منطقة باب العزب.. أو استكمال منظومة بناء الإنسان فى مختلف ربوع مصر.. ليس مجرد استنهاض لطاقة الثقافة الجماهيرية بشكل جديد يتناسب مع ما تتطلبه المرحلة من أفكار جديدة.. ومشروعات ومبادرات جديدة.. ليس مجرد مناقشة لتوجهات مصر نحو قارتها الإفريقية وإعادة فتح «مجارى» جديدة، وإنعاش ذاكرة إفريقية فقدناها وافتقدناها لسنوات.. وليس مجرد توظيف لقوى ناعمة صارت خشنة إلى حد قطع شرايين العلاقات مع جذورنا.
ما قرأته يشير أيضًا إلى مشروع كبير لحماية تراثنا.. واستنهاض أهم ما فيه ووصله بحاضر نعيشه ومستقبل نريده.. ما فهمته أننا بصدد تحويل الأوراق الميتة والدراسات الجامدة التى عاشت فى الأدراج لسنوات إلى واقع حى وملموس.
وحتى أقول كلامًا مفهومًا بسيطًا لا «جعلصة» فيه.. أضرب مثالًا صغيرًا.. ربما لم يربط أحدنا بين خبر انطلاق أولى رحلات مطار سفنكس الدولى الجديد.. وبين صدور المخطط التفصيلى لمدينة سفنكس التى صارت مدينة سياحية ثقافية بقرار جمهورى.. تلك المدينة التى تتوسط المسافة بين الإسكندرية، التى تحتضن أهم مكتبة ثقافية فى الشرط الأوسط وتراثًا إنسانيًا لا مثيل له، وبين المتحف الكبير الذى نستعد لافتتاحه وبين مدينة حرفية مثل كرداسة، كانت وكرًا للإرهابيين، عمّا قليل.. ونستعد لأن تكون مدينة لأصحاب الحرف التراثية.. لم يربط أحدنا بين ذلك الخبر وبين موضوع نقل كباش مهملة من الأقصر إلى ميدان التحرير وبين خطة شاملة لتطوير ميادين مصر الكبرى.. وبين عمل يجرى على قدم وساق لإنشاء محاور تربط أقصى المدينة.. بالطريق إلى الهرم.
فى نفس الأسبوع.. كان هناك اجتماع على قدر كبير من الأهمية فى البرلمان المصرى.. دعا إليه مهتمون وفاعلون فى مجال الملكية الفكرية.. وقبل ذلك كله كان قد أُعلن عن شركة كبيرة للإنتاج السينمائى برعاية الدولة.. وأخرى صدرت لها قرارات وتشريعات للاستثمار الثقافى.. وفى السياق ذاته اتخذت إجراءات لتنظيم فوضى المهرجانات.
باختصار هناك عمل ثقافى كبير يجرى على الأرض.. يحتاج إلى جهد الوزارة وعقلها.. يحتاج إلى توحيد كل الجهد.. وتنويع مصادره وضمها فى سياق واحد نحو مشروع ثقافى كبير متعدد ومتنوع السياقات والأهداف.. وأعرف أن الوزيرة المبدعة إيناس عبدالدايم فى وسط هذا كله.. فلماذا تتم جرجرة كل تلك العقول وشغلها بتوافه الأمور.. أو بتعبير مصرى خالص فى «خناقة حوارى»؟!
لقد فوجئت مثل غيرى من أعضاء جمعية المؤلفين والملحنين بقرار منشور فى الوقائع المصرية صباح ٢ يناير الجارى برفع رسوم قيد التصرف والترتيب للنصوص والمسرحيات والأفلام إلى ٥٠٠ جنيه بدلًا من خمسين جنيهًا.. ومثلها للتنازل.. يعنى كده من الآخر مضاعفة الرسوم عشر مرات.. وهى سابقة غريبة تبدو متعمدة لدفن أى إبداع.
ما تعرفه الوزيرة المبدعة.. ويعرفه معظم العاملين فى المجالين الثقافى والفنى أن المبدعين، الغالبية منهم، لا يجدون حق العلاج.. «حق الدوا» كما يقول المغنى الشعبى.. مثلما يعرفون أننا نعانى منذ عشر سنوات ندرة الإنتاج.
على سبيل المثال.. كان عدد الشركات العاملة فى مجال الإنتاج الغنائى فى مصر عام ١٩٩٠ خمسمائة شركة مصرية غير الشركات العربية، التى كانت تعتمد بشكل أساسى على الإبداع المصرى.. أصبحت فى مطلع ٢٠٢٠ أربع شركات فقط، إحداها مملوكة للدولة، هى صوت القاهرة، ولا تمارس عملًا من الأصل.
ويعرف أى عيل صغير فى المجال أن تسعين بالمائة من المبدعين فى عالم الأغنية، على سبيل المثال، لا تزيد أجورهم على خمسة آلاف جنيه.. فكيف يدفع منها ألف جنيه للحصول على موافقة الرقابة التى لا يحتاجها عالم اليوتيوب من الأصل.. هل تعرف معالى الوزيرة أننا منذ سنوات، وحتى لا تتوقف عملية الإنتاج نقوم بإهداء أغنياتنا للمطربين، الذين ينتجون هذه الأغنيات على حسابهم حتى لا يتوقفوا عن العمل.. فماذا يفعل شباب المبدعين وعواجيزهم إذًا؟!
هذا القرار يقف فى وجه أى نشاط إبداعى للشباب قولًا واحدًا.. ويضيف أعباء جديدة من سوء إدارة لملف الرقابة وسخفًا فى التعامل وطوابير إهانة واستهزاء بقيمة المبدع فى البلاد، وهو أمر عكس توجهات الوزارة وتوجهات الدولة المصرية بكاملها فى الوقت الحالى.
إذا كانت الوزيرة قد تورطت فى هذا القرار.. أعتقد أنها الآن سمعت من أطراف كثيرة بأنه قرار ليس فى صالح أحد.. لا الدولة.. ولا الوزارة ولا المبدعين.. وأعتقد أنها ستعيد النظر فى التعاطى معه.. قريبًا جدًا.