الإثنين 17 فبراير 2020 الموافق 23 جمادى الثانية 1441
لواء.حمدى البطران
لواء.حمدى البطران

مثقفون مهمشون

الإثنين 06/يناير/2020 - 07:53 م
طباعة
لا نقصد بالتهميش عدم دعوة المثقفين إلى الأنشطة الحكومية والفعاليات التى تقوم بها وزارة الثقافة، من خلال أنشطتها الموسمية المتنوعة، ولكن نقصد بالتهميش عملية إبعاد المثقفين عن السياسة، وتناول القضايا الخطيرة والخلافية التى تطرأ على الوطن، والتفكير بعقلانية ورصانة لصالحه وعدم المشاركة فى عملية صنع القرار السياسى لبلده.
هناك عدة عوامل، أسهمت بدرجة فعالة فى تنامى تلك الظاهرة ومنها:
التهميش الحكومى المتعمد للمثقفين منذ أن بدأت الحكومة فى محاكمة مثقفيها بتهم عديدة وحبسهم ومحاربتهم فى قوتهم ووظائفهم، وقد قادت هذا الاتجاه وزارة الثقافة على مدى عشرين عامًا عندما قربت منها من تراه مواليًا لها، وأبعدت من كان معارضًا.
عدم الاعتراف بالأجيال الشابة منهم، لأجل هذا انحسرت فيها الأنشطة الثقافية الجادة، وابتعدت عن الاهتمامات الجماهيرية للناس، ومصالحهم الحياتية.
ومن ناحية أخرى أسهمت الأحزاب السياسية فى تلك القضية ولم يهتم أى حزب سياسى فى مصر بضم أديب أو مثقف محسوب على الحركة الثقافية المصرية بعيدًا عن الحكومة، وفى مقدمة تلك الأحزاب، الأحزاب الليبرالية عدا حزب التجمع، وبالرغم من وجود لجان ثقافية بكل حزب من تلك الأحزاب على مختلف مستوياتها، إلا أنها للأسف وقعت بين براثن غير المثقفين من السياسيين ما أفقدها فعاليتها.
كما لم تضع الأحزاب على قوائمها الانتخابية كاتبًا أو مثقفًا، واكتفت بممارسة السياسة عن طريق العصبية والقبلية، بحثًا عن فرص الفوز.
يضاف إلى ذلك الهَم الاجتماعى العام للمثقفين، وهو اتجاههم إلى البحث عن لقمة العيش، بعيدًا عن الثقافة، فلم تعد الثقافة ولا الكتابة مجديتين، إلا لمن يعرف طريقه إلى الدراما التليفزيونية. لأجل هذا انصرف عدد من المثقفين والكتاب عن ممارسة دورهم، هذا فضلًا عن ارتفاع التزامات وتكاليف الثقافة والكتابة نفسها، والتى تشمل شراء الصحف والمجلات وشراء الكتب ومتابعة التليفزيون فى القنوات الفضائية، وهى الوسائل التى تعين المثقف على تكوين ثقافته.
أيضًا ارتفاع تكلفة نشر الكتب لدى دور النشر، ما أدى لارتفاع سعر الكتاب وأسعار المجلات الجادة الرصينة.
كل هذا يشكل ضغطًا ماليًا على المثقف الكاتب الحر الذى لا تساعده كتاباته وثقافته على العيش من كتاباته ومؤلفاته وهى قضية أخرى يطول شرحها.
انحسار دور المؤسسات المدنية المعنية بالمثقفين والكتاب، وهى اتحاد الكتاب ونادى القصة ونادى القلم وغيرها من مؤسسات المجتمع المدنى الثقافية وانشغالها بشئون أعضائها ومشاكلها وتمويلها وخلافات أعضاء مجالس الإدارات وتدنى شئونها الذاتية وانعزال تلك الجمعيات عن قواعدها من أعضائها، أيضًا انعزال تلك المؤسسات عن القضايا العامة فلم تسهم فى الحراك الديمقراطى الذى بدأ يظهر فى الأفق السياسى. والغريب أنه لا تتم دعوة أى مثقف أو أديب إلى مؤتمرات الشباب التى تشرف عليها القيادة السياسية، وهو ما أسهم إلى حد كبير فى ازدياد تهميش المثقفين والأدباء. ولا شك فى أن كل هذه الأمور مجتمعة أسهمت بشكل كبير فى انعزال وتهميش المثقف المصرى.
وترك المثقفون الحقيقيون الساحة الثقافية والشأن الثقافى لأنصاف المثقفين ومدعى الثقافة، ما أسهم إلى حد كبير فى اضمحلال الثقافة بكل فروعها من أدب ومسرح ونقد وسينما وفنون وغيرها، ما ترتب عليه هيمنة التيارات الدينية وثقافة الضجيج على مقدرات التعليم والثقافة.
لم يعد للمثقفين نفس الدور، الذى كان لهم منذ أكثر من ستين عامًا، يوم أن كان الجمهور المصرى يتابع القضايا التى يثيرها المثقفون، والتى كانت تهم قطاعًا عريضًا من الجمهور مثل قضايا مجانية التعليم، وقضايا الحرية والديمقراطية.
وهى القضايا التى ابتعد عنها كتابنا ومثقفونا للأسف بحثًا عن الأمان.