الخميس 20 فبراير 2020 الموافق 26 جمادى الثانية 1441
د.أحمد الخميسى
د.أحمد الخميسى

الثقافة فى مواجهة العربدة التركية

السبت 04/يناير/2020 - 07:46 م
طباعة

تدوى طبول الحرب فى أجواء العراق وليبيا، مما يعنى أن المنطقة كلها عرضة للخطر. ففى العراق، اغتالت الأجهزة الأمريكية قاسم سليمانى، قائد الحرس الثورى الإيرانى، وأعقب ذلك اجتماع المرشد الإيرانى بمجلس الأمن القومى؛ للرد على عملية الاغتيال.
أيًا كان موقفنا من قاسم سليمانى، بالسلب أو الإيجاب، فإن اعتراف البنتاجون فى بيان رسمى بأن الاغتيال تم بتوجيهات من الرئيس ترامب، هو اعتراف بعملية أخرى تضاف لسجل طويل من الأعمال الأمريكية القذرة، لذلك نوه تليفزيون «روسيا اليوم» بأن اغتيال سليمانى «خطوة متهورة فى تصعيد التوتر فى المنطقة». أما فى ليبيا، بحدودنا المشتركة التى تجمعنا وإياها، فإن حصول الرئيس التركى أردوغان على تفويض من البرلمان بإرسال قوات تركية إلى هناك قد أشعل فتيل أزمة كبرى، لأن دولًا كثيرة، فى مقدمتها مصر لا يمكن أن تقبل بذلك التدخل. ولا شك أن محاولة إشعال الحرب فى ليبيا وإيران تستهدف فى الأساس هدم الدول التى لم يسقطها المخطط الأمريكى بعد أن قام بتدمير العراق واليمن وليبيا وسوريا إلى حد كبير، بهدف خلق خريطة جديدة تتولى فيها إسرائيل الدور القيادى وتحقق أطماعها بسلاحها النووى وبالتوسع لاستعباد الشعوب العربية، ومع أن كل ما يجرى فى المنطقة يمسنا بصورة أو بأخرى، إلا أن ليبيا تظل باحتمالات الحرب فيها الخطر الأقرب إلينا، لهذا أدانت مصر تمرير البرلمان التركى المذكرة المقدمة من الرئيس أردوغان يوم الخميس ٢ يناير وتفويضه بإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، وأجرى وزير الخارجية سامح شكرى اتصالات عديدة بهذا الشأن. ويبرز هنا موقف الإخوان المسلمون من التدخل التركى وتصريحات أردوغان بأن «ليبيا ولاية عثمانية»! فقد وقّع فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الليبية، التى يقف الإخوان وراءها، اتفاقية مع أردوغان تسمح له باستخدام الأجواء والمياه الإقليمية الليبية، مما دفع مجلس النواب الليبى لاعتبار الاتفاقية «خيانة عظمى»، ولم تكن هذه هى المرة الأولى التى يخون فيها الإخوان الأوطان، ففى أكتوبر من عام ٢٠١٩ أصدرت جماعة الإخوان فى سوريا بيانًا اعتبرت فيه أن العدوان التركى على سوريا «توجه حميد»! وجاء فى البيان بالنص: «إننا ندعم التوجه التركى لإقامة المنطقة الآمنة». وفى تونس، حسبما أشارت صحيفة شفق التركية فى نهاية ديسمبر ٢٠١٩، فإن أردوغان طلب من الرئيس التونسى قيس بن سعيد السماح لتركيا باستخدام المجال الجوى التونسى والمرافئ البحرية، ورحب الإخوان هناك بتلك الخطوة أيضًا ليؤكدوا أنهم «خونة أوطان» فى ليبيا وسوريا وتونس وأينما كانوا.
وفيما يخص تركيا التى تهدد حدودنا مباشرة، فإن الوضع معقد للغاية، فمن ناحية يخشى الكثيرون من أن تكون الحرب الليبية الصغيرة بوتقة كبيرة لتقويض قدرات الجيش المصرى، ومن ناحية من الصعب بمكان السكوت على تصعيد أردوغان وتأجيجه نار الصدام العسكرى، ولا شك أن المؤسسات العسكرية والسياسية المصرية ستتولى تقليب الأمر على جوانبه المختلفة للوصول إلى القرار الممكن، لكن السؤال هنا: أين دور الثقافة فى مواجهة العربدة التركية؟ وهل للثقافة فى هذه الأزمات دور يمكنها القيام به؟ أثار ذلك السؤال فى ذهنى أن مصر بعد العدوان الثلاثى عام ١٩٥٦ كانت أحرص ما تكون على إرسال وفود من أفضل كتابها وفنانيها إلى الخارج؛ لتوضيح حقيقة العدوان، والموقف السياسى المصرى، كما أننى كنت فى الأيام الماضية أقرأ بالمصادفة البحتة مجموعات قصصية لأدباء أتراك، منهم عزيز نيسين، الذى توفى عام ١٩٩٥، وهو أحد كبار الأدباء الأتراك، والمجموعة مشبعة بضمير حى يتجاوز التعصب القومى إلى كل ما هو إنسانى، فهل يمكننا أن نخاطب نقطة النور فى ظلمة الغطرسة التركية؟ أقصد أن نخاطب الأدباء والمفكرين، الذين نعلم بحكم تاريخهم أنهم ضد كل عدوان وضد خرافات «الولايات العثمانية»؟ هل يمكننا تنظيم مؤتمر أدبى واسع ولو فى عاصمة أخرى؟ كلها أسئلة كان من الممكن أن تكون لها إجابات، لو أن وزارة الثقافة لدينا أفاقت ولو قليلًا من نومها العميق على الأقل فى الأزمات الكبرى!