الأربعاء 26 فبراير 2020 الموافق 02 رجب 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

جيفارا الشرق الأوسط!

السبت 04/يناير/2020 - 07:36 م
طباعة

معروف أن قاسم سليمانى، قائد فيلق القدس، التابع للحرس الثورى الإيرانى، قاتل فى كل مكان إلا القدس. ولم يكن مسموحًا أن يفعل. ومع ذلك فوجئنا بعد تصفيته بردود أفعال عجيبة، من داخل الأرض المحتلة، وصلت حد قيام قيادى فى حركة «فتح» بوصف المذكور بـ«جيفارا الشرق الأوسط»، مع تصريحات أكثر غرابة تحتاج إلى عشرات علامات التعجب إلى جوار تلك التى وضعناها فى العنوان.
رد فعل «حماس» أو ما توصف بأنها «حركة المقاومة الإسلامية»، كان متوقعًا، فالثابت هو أنها ثانى أكبر كيان فى المنطقة يتلقَّى دعمًا من إيران بعد «حزب الله». ونعرف أيضًا أن «الحركة» هى «الغطاء السُّنى» لآيات الله، وأن إيران تستخدمها فى تحقيق مصالح، سياسية أو إرهابية، كما استعملت (وتستعمل) جماعة الإخوان بتفريعاتها، وغيرها من التنظيمات الإرهابية، لتتمكن من التأثير على المنطقة. وعليه، كان طبيعيًا أن تنعى الحركة سليمانى ومن راحوا معه، فى بيان، وأن تدين ما وصفتها بـ«العربدة والجرائم الأمريكية المستمرة فى زرع وبث التوتر فى المنطقة، وخدمة العدو الصهيونى». لكن الغريب، كان موقف عباس زكى، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، الذى وصف سليمانى بأنه «تشى جيفارا الشرق الأوسط»، فى تصريحات تليفزيونية لقناة «الميادين»، التابعة، الممولة أو الموالية لحزب الله اللبنانى، إيرانى الهوى والهوية.
القيادى بحركة «فتح»، توقع أن يكون لاغتيال سليمانى «تداعيات خطيرة على المنطقة»، وأن «تكون نتائجه مكلفة جدًا على الولايات المتحدة». ثم نصح «من يضع نفسه فى الدوائر الأمريكية والإسرائيلية» بالتريث، لأن «الرد سيكون وخيمًا». وفاته، كما فات مغيبين كثيرين غيره أن إيران تقع فى قلب تلك الدوائر منذ سنة ١٩٥٥، بتوقيع معاهدة صداقة مع الولايات المتحدة، لا تزال سارية ولم توقفها سيطرة «آيات الله» على الحكم سنة ١٩٧٩، وليس متوقعًا أن تتأثر بالأحداث الساخنة الجارى عرضها هذه الأيام!.
العلاقة بين «الشيطان الأكبر» و«العمائم السوداء» شديدة التعقيد، ولو أردت بعض التفاصيل عنها، ستجدها فى كتاب عنوانه «فقدان عدو: أوباما، إيران، وانتصار الدبلوماسية»، لـ«تريتا بارسى»، أو «تريتا فارسى»، وهو إيرانى الأصل يقيم فى الولايات المتحدة، وله كتاب ظريف صدر فى ٢٠٠٨ عنوانه «التحالف الغادر: الصفقات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة»، تناول فيه العلاقات بين هذا الثلاثى، وأوضح كيف أنها تختلف كثيرًا عن الصورة الشائعة أو القائمة، والمعادلة الثابتة للوفاق أو الصراع، لتشمل صفقات وتفاهمات غير معلنة. وتأتى أهمية الكتابين من أن بارسى أو فارسى، تربطه علاقة قوية بجواد ظريف، وزير الخارجية الإيرانى، وقام بتنسيق لقاءات بين أعضاء فى الكونجرس من الحزبين الجمهورى والديمقراطى مع مسئولين إيرانيين!.
الولايات المتحدة اعتادت أن تبالغ فى تقدير و«تصدير» الخطر، وأن تقوم باختراعه، حال عدم وجوده، ليكون «تلكيكة» أو «فزاعة»، تبتز بها الدول الواقعة تحت مظلتها أو سيطرتها، ولم يعد خافيًا، مثلًا، أنها خلقت «أو استغلت» حالة عدم الاستقرار التى عاشتها المنطقة العربية، فى السنوات الأخيرة، وأتاحت لتركيا وإيران إنشاء مناطق نفوذ، وحرضت وشجعت قطر، على دعم وتمويل تنظيمات إرهابية. ووفق هذه المعادلة أو تلك الصيغة، قامت طهران، أنقرة والدوحة، بدعم جماعات إرهابية فى المنطقة، أمريكية المنشأ، وبإضافة ما توصف بـ«إسرائيل»، يمكننا أن نخلص أو نستنتج أن توزيع الأدوار بهذا الشكل ‏المربك يستهدف التشويش أو «الغلوشة» على أى محاولة لتوصيف الأزمة التى تعيشها المنطقة بشكل دقيق. ‏
ما يؤكد أو يحقق تلك المعادلة، هو أن مجلة «نيويوركر»، نقلت فى ٢ أغسطس الماضى، عن مصادر أمريكية وإيرانية «واسعة الاطلاع» أن «راند بول، السيناتور الأمريكى الجمهورى، لعب دور الوسيط بين الإدارة الأمريكية ووزير الخارجية الإيرانى، بموافقة الرئيس ترامب». وكانت هناك، أيضًا، تسريبات عن محادثات أمريكية مع إيران، خلف الكواليس، قام بها عضو جمهورى فى مجلس الشيوخ زار طهران، برفقة مسئول فى وزارة الخارجية وآخر فى وزارة الدفاع. وطبقًا لتلك التسريبات، التى لم ينفها أو يؤكدها البيت الأبيض، فقد التقى السيناتور الأمريكى مسئولين فى مكتب المرشد الأعلى، على خامنئى، ومسئولين فى «الحرس الثورى».
جيفارا الأصلى، أو إرنستو تشى جيفارا، هو إحدى الشخصيات الرئيسة فى الثورة الكوبية، وصار رمزًا لمقاومة الغطرسة الأمريكية، وللاستعمار الجديد والإمبريالية. أما «جيفارا»، المضروب أو المزيف، فتعاون مع الولايات المتحدة حين غزت أفغانستان فى ٢٠٠١، ولعب دورًا محوريًا فى الاحتلال الأمريكى للعراق، سنة ٢٠٠٣، تعاون خلاله، كما كشفت وثائق نشرها موقع «ويكيلكس»، مع الجنرال ديفيد بتريوس، قائد الفرقة ١٠١ المحمولة جوًا، وقت الغزو، الذى صار قائدًا للقوات الأمريكية فى العراق. وهناك شواهد ووثائق تثبت أن تعاونه، سابقًا ولاحقًا، لم يتوقف عند هذا الحد.