الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثانية 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

العراق.. مولد وصاحبه «تايه»!

الثلاثاء 31/ديسمبر/2019 - 07:58 م
طباعة
انطوت صفحة ٢٠١٩، وبدأنا صفحة جديد، تحمل الرقم المميز ٢٠٢٠، وكان من المفترض أن نحتفل، اليوم، ببداية السنة الجديدة، لكننا اضطررنا إلى أن نكمل ما بدأناه أمس، بعد التطورات التى شهدها العراق، والتى أثبتت، مجددًا، أنه تحول إلى «مُولد وصاحبه تايه» أو تائه، منذ أن وقع تحت الاحتلال الأمريكى الإيرانى.
انتهينا، أمس، إلى أن العراقيين، بلا حول ولا قوة، ويتفرجون مثلنا، على بلدهم وهو يتحول إلى ساحة صراع مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، ولا يعرفون، كما لا نعرف، متى تنتهى تلك الخناقة أو الاستهدافات المتكررة والمتبادلة بين القوات التابعة للطرفين. ورجحنا أن تكون الاضطرابات السياسية التى تعم العراق، والتظاهرات التى يشهدها، سببًا رئيسًا فى «الخناقة الأمريكية الإيرانية» أو العكس.
آلاف من المدنيين والمسلحين التابعين لميليشيات الحشد الشعبى، قاموا صباح الثلاثاء، بتشييع ضحايا الهجمات الأمريكية، وتمكنوا من عبور جميع حواجز التفتيش دون صعوبة فى المنطقة الخضراء، شديدة التحصين، واقتحموا البوابة الرئيسية للسفارة الأمريكية، فى بغداد، منددين بالضربات الجوية الأمريكية التى استهدفت، الأحد، خمس قواعد تابعة لكتائب «حزب الله» العراقية، الموالية لإيران والمدعومة منها. وفى ظل تصاعد الاحتجاجات، تم إجلاء السفير الأمريكى، ماثيو تولر، من السفارة. وهكذا، تم إعفاؤه وإعفاء وزارة الخارجية العراقية من حرج استدعائه، لإبلاغه بإدانتها لانتهاك القوات الأمريكية السيادة العراقية بقصفها للمواقع الخمسة. إذ كانت الخارجية العراقية قد أعلنت فى بيان، أصدرته يوم الإثنين، عن اعتزامها فعل ذلك!.
أكثر من ٣٢ شخصًا أصيبوا، إلى الآن، بالرصاص والاختناق، جراء إطلاق قوات الأمن العراقية النار وقنابل الغاز المسيل للدموع. وبعد أن أكدت وزارة الدفاع العراقية حرص الحكومة العراقية على حماية السفارات والبعثات الدبلوماسية داخل العراق، دعا عبدالمهدى، رئيس الوزراء العراقى المستقيل، المتظاهرين أمام السفارة الأمريكية إلى مغادرة المكان «فورًا»، مشددًا على أن القوات الأمنية ستمنع «بصرامة أى تحرش بالممثليات الأجنبية».
عبدالمهدى، الذى لا يزال يترأس حكومة تسيير الأعمال، سبق أن اعترف بأن مارك إسبر، وزير الدفاع الأمريكى، أبلغه باعتزامهم توجيه الضربات الجوية، فى اتصال هاتفى قبلها بساعات. زاعمًا أنه طلب إجراء مناقشات مباشرة بشأنها، لكن تم إبلاغه بأن القرار تم اتخاذه. واللافت هو أن عبدالمهدى زعم، أيضًا، فى التصريحات التى نقلتها وكالة رويترز، الإثنين، أنه حاول إبلاغ الفصيل العراقى بالضربة الجوية الوشيكة، قبل أن يؤكد أن الطائرات الأمريكية التى نفذتها لم تأت من داخل العراق. وغالبًا، منعته تعليمات إيرانية من توضيح أن تلك الطائرات جاءت من القاعدة العسكرية الأمريكية فى قطر!.
المواجهة صارت على المكشوف بين الطرفين. وعليه، لم يكن غريبًا أن يتهم الرئيس الأمريكى، دونالد ترمب، إيران بأنها وراء «الهجوم على السفارة». أما الغريب، فكان تجاهله أن الولايات المتحدة تدفع ثمن دعمها للميليشيات فى العراق، عبر العائلة الضالة التى تحكم قطر بالوكالة، التى ثبت تورطها فى دعم تلك الميليشيات بقرابة «مليار دولار»، تحديدًا ١٫١٥ مليار، شحنتها فى أبريل ٢٠١٧، على إحدى طائرات الخطوط الجوية القطرية.
مراسلات نصية، مكالمات تليفونية، ورسائل بريد صوتى، كان بين مَن تبادلوها وزير الخارجية القطرى محمدعبدالرحمن آل ثانى، وسفيره فى بغداد، زايد بن سعيد الخيارين، كشفت عن أن هذا المبلغ الضخم اقتسمته ميليشيات تابعة لتنظيم «داعش» ومرتبطة به، و... و... «كتائب حزب الله- العراق»، التى كان نصيبها من المبلغ ١٥٠ مليون دولار.
تفاصيل تلك الجريمة نشرتها «نيويورك تايمز»، فى يونيو ٢٠١٧، و«واشنطن بوست»، فى أبريل ٢٠١٨، وبينهما أعربت مصر، خلال عرض السكرتير العام للأمم المتحدة تقريره الخامس حول استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، عن تطلعها إلى معرفة تقييم السكرتير العام لتداعيات حصول التنظيمات الإرهابية على مبلغ بهذه الضخامة. ودعت مجلس الأمن إلى التصديق على إجراء تحقيق فى تلك الواقعة.
المليار دولار، لم تكن هى الدعم الوحيد الذى قدمته الإمارة المارقة إلى الإرهابيين، بل كانت جزءًا من صفقات أكبر بين قطر، إيران وتركيا، سبقتها ولحقت بها، أوجه دعم أخرى كثيرة، وانتهت بعقد صفقات مع قيادات التنظيمات الإرهابية، لترتيب نقل مقاتليها إلى ليبيا، فى مسعى لتحويلها إلى قاعدة رئيسية للإرهاب الدولى.
.. وأخيرًا، نتمنى أن تكون قد لاحظت أننا تجنبنا، أمس واليوم، الإشارة إلى الذكرى الثالثة عشرة لرحيل صدام حسين، آخر رئيس لدولة العراق المستقلة، الذى قامت الولايات المتحدة، بعد مسرحية هزلية شارك فيها عملاؤها وعملاء لإيران، باغتياله أو إعدامه، فجر يوم السبت ٣٠ ديسمبر ٢٠٠٦، الموافق ١٠ ذى الحجة: أول أيام عيد الأضحى. رحم الله صدام حسين.. ورحم العراق، الذى تحول، حرفيًا، إلى «مُولد» تاه فيه شعبه.