الإثنين 24 فبراير 2020 الموافق 30 جمادى الثانية 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

مكافحة مكافحة الجرائم الإلكترونية!

السبت 28/ديسمبر/2019 - 08:11 م
طباعة


بأغلبية ٧٩ صوتًا، مقابل اعتراض ٦٠، وامتناع ٣٣ عن التصويت، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الجمعة، على قرار بتشكيل لجنة خبراء «لوضع اتفاقية دولية شاملة لمكافحة استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لأغراض إجرامية». لكن قبل تمر دقائق على إعلان القرار، تشكلت لجنة لمكافحة تلك اللجنة، أى لمكافحة مكافحة الجرائم الإلكترونية!.
مشروع القرار تقدمت به روسيا، ودعمته الصين. وتعنى نتيجة التصويت غياب ٢١ دولة، من الدول الـ١٩٣ أعضاء الجمعية العامة. كما أن وجود الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى بين الدول المعترضة، يقطع بفشل اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة، التى من المفترض أن تعقد جلسة تنظيمية فى ٣ أغسطس ٢٠٢٠، لمدة ثلاثة أيام، فى نيويورك، للاتفاق على الخطوط العريضة لأنشطتها، وعلى خطة وإجراءات عملها فى المستقبل، الذى نتوقع أن يكون مظلمًا!.
لجنة «مكافحة مكافحة الجرائم الإلكترونية»، تشكلت برئاسة شيريث نورمان شاليه، نائب المندوب الأمريكى لدى الأمم المتحدة، التى أبلغت الجمعية العامة، قبل التصويت، أن «هذا القرار سيقوّض التعاون الدولى لمكافحة الجريمة الإلكترونية فى وقت بات فيه تعزيز التنسيق ضروريًا». وأكدت أنه «لا يوجد إجماع بين الدول الأعضاء على الحاجة إلى صياغة معاهدة جديدة. إنه لن يؤدى إلّا إلى خنق الجهود الدولية لمكافحة هذا النوع من الجرائم». ورأت أن على العالم أن يقوم بتوسيع الاتفاق القائم حاليًا بشأن جرائم الإنترنت، فى إشارة إلى ميثاق بودابست، وهو الميثاق الذى وضع المجلس الأوروبى مسودته، وانضمت إليه الولايات المتحدة، ولا يزال، منذ صدوره سنة ٢٠٠١، هو الوثيقة الدولية المرجعية للجرائم الإلكترونية.
الجريمة الإلكترونية، فى طبيعتها، جريمة عابرة للحدود، وتمثل تحديًا كبيرًا لسلطات إنفاذ القانون. وطبقًا لتعريف المنظمة الأوروبية للتعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، فهى «كل سلوك غير مشروع أو غير أخلاقى أو غير مصرح به، يرتبط بالمعالجة الآلية للبيانات أو بنقلها». وما من شك فى أن العالم شهد منذ ٢٠٠١ تغيرات وتطورات تفرض على المجتمع الدولى مسئوليات كبيرة تجاه وضع أُطر وقواعد تحكم الاستخدام الآمن لشبكة الإنترنت. خاصة بعد التوسع فى تداول المعلومات والبيانات، عبر الشبكة، وبعد انتشار التجارة الإلكترونية. وعليه، أصبحت هناك ضرورة ملحة لإصدار اتفاقية دولية جديدة أو ميثاق دولى جديد، لمواجهة مرتكبى هذا النوع من الجرائم، بعد ثبوت فشل الاتفاقية الحالية أو ميثاق بودابست فى مواجهتها.
مع ذلك، لم تمر دقائق على إعلان موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على القرار، الذى استبشرنا به خيرًا، إلّا وتشكلت لجنة «مكافحة المكافحة» بزعامة ممثلة الولايات المتحدة، التى انضمت إليها، على الفور منظمة «هيومن رايتس ووتش»، وأصدرت بيانًا هاجمت فيه القرار، ووصفت الدول التى تقدمت به ورعته ووافقت عليه بأنها الأكثر قمعية بين دول الأرض، ووصفت مندوبيها لدى المنظمة الدولية بأنهم «مجرد محتالين». ثم قام لوى شاربونو، مدير قسم الأمم المتحدة فى تلك المنظمة المشبوهة، بـ«ضرب الودع»، وتنبأ بأن هناك خطة لوضع «ميثاق يمنح الدول غطاء قانونيًا لحجب مواقع الإنترنت ومراقبتها ويفتح المجال لتجريم حرية التعبير»!.
اللافت، هو أن غالبية (إن لم يكن كل) الصحف والمواقع الإلكترونية المصرية، العربية والأجنبية، تداولت تقريرًا لوكالة الأنباء الفرنسية زعمت فيه أن القرار «أثار قلق المجموعات الحقوقية والقوى الغربية التى تخشى من أن يفضى إلى تقييد الحريات». ومع أن عنوان التقرير قال إن «الأمم المتحدة تؤيّد مقترحًا روسيًا لوضع ميثاق للإنترنت يثير الجدل»، إلا أن المحتوى تضمن آراء جانب واحد من الجانبين اللذين لا يحدث الجدل، أى جدل، إلا بوجودهما!.
بانحياز واضح، وفج، أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة والقوى الأوروبية والمجموعات الحقوقية، تخشى من أن يتم استخدام القرار لتشريع قمع حرية التعبير فى وقت تعتبر فيه دول عدة انتقاد الحكومة «جريمة». ونقلت الوكالة عن مسئول أمريكى، لم تذكر اسمه، أن سبب معارضتهم لهذا القرار هو تخوفهم من أن «الميثاق الجديد» قد يسمح بتقنين هذا النوع من الضوابط دوليًا. وزعم أن أى معاهدة أممية جديدة تسمح بوضع ضوابط على الإنترنت «تعارض مصالح الولايات المتحدة لأنها لا تتوافق مع الحريات الأساسية التى نرى أنها ضرورية فى أنحاء العالم». وخصص التقرير فقرة للهجوم على الصين، والهند، وإيران، باعتبارها أمثلة للدول التى حاولت بشكل متزايد فرض قيود على الإنترنت. وكان غريبًا ألا تكون روسيا بين تلك الدول!.
تأسيسًا على ما سبق، فإن لجنة «مكافحة مكافحة الجرائم الإلكترونية»، تضم، إلى الآن، الولايات المتحدة، منظمة «هيومن رايتس ووتش»، وكالة الأنباء الفرنسية، والوسائل التى نقلت تقرير الأخيرة، بنصه، دون أى محاولة لملء الكفة الفارغة، وطرح وجهة نظر طرف الجدل الغائب!.