الأحد 19 يناير 2020 الموافق 24 جمادى الأولى 1441
أحمد بهاء الدين شعبان
أحمد بهاء الدين شعبان

حتى لا نقول: «وداعًا للإسكندرية التى نفقدها»

الأربعاء 11/ديسمبر/2019 - 06:54 م
طباعة

«فلأقف هنا، ولأرى أنا أيضًا الطبيعة مليًِّا. شاطئ بحر رائعًا، أزرق أصفر فى صباح سماؤه صافية. كل شىء جميل مُفعم بالضياء. فلأقف هنا، ولأخدع نفسى بأنى أرى هذا حقًا، ولا أرى خيالاتى، متعة وهمية». «وداعًا للإسكندرية التى نفقدها»!.. هكذا وقف «قسطنطين كفافيس»، «١٨٦٣ ١٩٣٣» الشاعر السكندرى الكبير، الذى رأت عيناه النور بمدينته المحبوبة، وعاش أغلب سنوات عمره بها، ودُفن فى ثراها، يُخاطب مدينته المفقودة، وكأنه يرثيها مرثيته النهائية، ويودِّعها مرة وإلى الأبد.
هذه المدينة الجميلة العظيمة، بتاريخها الممتد لألفى عام، وبأثرها الحضارى والفكرى التليد، كموئل للعلم والنور والفلسفة والتفاعل الثقافى، وبتأثيرها الفذ على كل من أقام بها، أو مرَّ بأرضها، توشك على الضياع منا، ونحن مُهددون، فعلًا لا قولًا، وباستقراء العلم، لا بتنبؤات الكهنة والعرّافين، أن نفقدها، حقيقةً لا مجازًا، كما كتب مُتبصرًا «كافافيس» عن مدينته مدينتنا، التى تقترب من أن تمضى إلى غياهب النسيان، إلا إذا شمّرنا عن ساعد الجد، وبدأنا العمل وفورًا، لاستنقاذ هذا الأثر الحضارى النفيس، من غضبة الطبيعة، التى تزمجر ثائرة على ما اقترفه فى حقها بنو البشر.
فقد تواترت الأنباء والأبحاث والمعلومات، التى أعلنتها العديد من الدوائر العلمية والتقنية، المحلية والعالمية، الموثوقة، «وفى مقدمتها لجنة الأمم المتحدة حول التغيُّر المناخى»، التى تُنبهنا للتغيُّرات البيئية والمناخية بسبب إفراط الدول الصناعية الكُبرى فى إنتاج الانبعاثات الحرارية، والتى أدت، وستؤدى، إلى تسارع خطير فى ذوبان جليد القطبين المتجمدين: الشمالى والجنوبى، وبما يُهدد بارتفاع مناسيب مياه البحار، ومنها البحر المتوسط، بمقدار يتراوح بين ١ و٣ أقدام «٢٨- ٨٩ سم»، مع انتهاء القرن الحالى، الأمر الذى يقود إلى تعرض مُدن ساحلية وأراضٍ لدول واقعة تحت مستوى البحر لعواقب وخيمة منها الغرق الكامل، وفى مقدمتها مدينة «الإسكندرية»، وأراضى دلتا نهر النيل، ومدينة «شنغهاى» الصينية «المركز الاقتصادى الكبير»، ومدينة «بومباى» «المركز المالى الهندى»، و«جنوب فيتنام»، و«تايلاند» وغيرها من المناطق، بما يعنى كوارث كُبرى تحيق بعشرات الملايين من المواطنين، وبأحوال الزراعة والسكن والعمل والسياحة والعمران والجفاف والتَصَحُّر وانتشار الأوبئة والمجاعات.. إلخ!. ولا جدال فى أن الدول الصناعية الكبرى، فى الغرب والشرق، تتحمل- فى المقام الأول- مسئولية هذا الوضع الخطير، الذى سيطال الجميع، وليست الدول المُتضررة مُباشرة وحسب. ففيما تُنتج إفريقيا نسبة متواضعة من الانبعاثات لا تزيد على ٢٫٧٪، تنتج أمريكا نحو ثلث الانبعاثات، وأوروبا الثلث الثانى، والصين واليابان ودول آسيا المتطورة الأخرى الثلث الأخير، وهو ما يؤكد مسئولية هذه الدول مجتمعة فى إصلاح نتيجة التعديات الشرسة على الطبيعة والإخلال الفظّ بتوازنها الدقيق. لقد دقّت الأوساط العلمية العالمية أجراس الخطر، منذ سنوات، للتنبيه من مغبّة تجاهل الدول الصناعية الكبرى الالتزام بمسئولياتها تجاه كوكب الأرض، وكان سلوك بعض الدول الكبرى مُخزيًا وشديد الانحطاط بالتهرُّب المُشين من واجباتها، مثلما تَـنَصل «ترامب» من اتفاقية المناخ، وتهرب من تنفيذ التزامات بلاده تجاه الأزمة الراهنة، وهو ما يفرض تصعيد الضغط على الدول الكبرى من أجل الوفاء بمسئولياتها الأخلاقية والمادية فى هذا السياق، أولًا: بالالتزام بتخفيض نصيبها من الانبعاثات الحرارية، واستخدام مصادر الطاقة النظيفة وصديقة البيئة، ثانيًا: بتحمّل نصيبها فى التكلفة الباهظة لحماية المناطق المُرشَّحة للتضرر، واتخاذ كل الإجراءات الواجبة لتقليل حجم المخاطر المُنتظرة إلى الحد الأدنى. أما مسئوليتنا نحن، أصحاب الخطب والمُعرضين الأساسيين لبلواه، فهى كبيرة، وتحتاج للبدء فورًا بعقد مؤتمر واسع يضم كل الخبراء والمتخصصين وعلماء البيئة والمناخ والجيولوجيا والفضاء، لوضع خطة زمنية مُحددة ومُلزِمة، لمواجهة الأزمة، ولتوفير جميع الاحتياجات والتكاليف الضرورية، واتخاذ الخطوات- التى لا يمكن تأجيلها- من أجل حماية مستقبل مصر ودلتا نهر النيل ومدينة الإسكندرية العريقة، مما يتهدد وجودها. إنه «مشروعنا الوطنى» الشامل، ويجب أن يحتل موقع الصدارة لحماية المستقبل، والدفاع عن حق أجيالنا القادمة فى الحياة والوجود.
ads