رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 19 سبتمبر 2020 الموافق 02 صفر 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
سيد أبو ليلة
سيد أبو ليلة

سيد أبو ليلة يكتب: حلول عصرية للقضاء على الانتحار

الخميس 05/ديسمبر/2019 - 07:12 م
طباعة
على الرغم من أن الإحصائية التي تكشف عن انتحار شخص كل 40 ثانية على مستوى العالم، معروفة للمهتمين بالأمر منذ مدة طويلة، إلا أن المصريين تذكروها فجأة خلال تريند الانتحار النشط حاليًا، وأحاطوا المرضى النفسيين بمحبة «غشيمة» تعيد إلى أذهاننا مشهد إحاطة الجدعان بأي مصاب في الشارع، حيث «يشغّل» المصري دماغه ويرتجل إسعافات أولية، دائمًا ما تزيد الطين بلة..
عصفٌ ذهنيٌ مبدعٌ أدهشنا به مثقفو مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا، انتهى بنتائج بديعة تساعد من تراوده فكرة الانتحار على حسم قراره سريعًا..
أعتقد أن أحدًا لم يفكر بمنطق المكتئب حتى الآن، ولم ير المشهد بعينه، ولكن لماذا لا نجرب؟
حسنًا، إن تمكن المكتئب من تجاوز البلطجية الذين يخصون علم الطب النفسي بآية: «ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا»، فأمامه الآن حلول عبقرية، ولكنها لا تخلو من المخاطر.
أولها ببساطة أن يقرر الانفتاح على العالم وطلب المساعدة من المقربين، لا أقصد بالطبع من ينصحون بالقرب من الله، بل الذين يحسنون قول كلمة «معلش»، دون أن يتقيأوا جملة «أنا كنت زيك كده».
الحل الأول أصبح متوفرًا بالفعل، وظهرت حملات لدعم المرضى النفسيين والاستماع لمشكلاتهم، ولكن بالتزامن ظهر معارضون لتلك الحملات، حذروا الناس من الاقتراب من المكتئبين لأنهم قد ينقلون العدوى لكل غير متخصص يقترب منهم، وأسندوا مشاركتهم الاجتماعية البناءة تلك بجملة «كل واحد فيه اللي مكفيه»، مرفقين باستنتاجهم العبقري هذا مُسلمة «اللي عايز يتعالج بجد يروح لدكتور، لكن اللي بيحكي ده بيستجدي تعاطف، وأكيد مش هاينتحر بجد لأن اللي بيقول ما بيعملش».
كما أكد أهل الحقيقة هؤلاء على حقهم في أن ينعموا بجلسة كوميدية مع أصدقائهم، لا تتسع لشخص «إتم» يفسد الويك إند بحكايات فشله.
ولعل رافضي الاستماع للمكتئبين نسوا أن تأمينهم الصحي لا يشمل العلاج النفسي «أدوية وجلسات»، الذي يتطلب مرتب «كول سنتر» لتغطيته، إلا إن تجرأ المكتئب وذهب إلى مستشفى العباسية ليخضع لكشف سيدفع مقابله جنيهًا واحدًا ولكنه سيحفر في ذاكرته مشاهد لن ينساها.
ولن أخفيكم سرا، قد ينشغل راغب الانتحار بفكرة أن من سيحدثهم اليوم عن هواجسه سيحكون أسراره غدًا للصحف، لتوضع تحت عنوان «آخر رسالة لفلان الفلاني».
لم ينته الأمر بعد، فهناك حل آخر طرحه أصدقاؤنا العاطفيون على السوشيال ميديا: «الاكتئاب ترف فكري يا صاحبي، انشغل بعملك، واعتزل ما يؤذيك ولا تحكي عن ضعفك لأحد»، ولكن هناك من حجزوا هذا الشاطئ ورأوا أن الصامتين «نكديين وعايشين الدور وبيشقطوا بالاكتئاب وبيلفتوا النظر»، وفي النهاية نتساءل جميعًا: لماذا لم يحكِ «منتحر البرج» آلامه للمقربين؟
لن ييأس صديقنا المكتئب، فالحل الثالث يفتح ذراعيه، إذ يمتلئ موقع يوتيوب بمقاطع توعوية تتيح للمريض النفسي «هندلة» مأساته، ولكن بمجرد دخول صديقنا المأزوم سيفاجأ بطبيبة منتقبة تحظى بأعلى نسب مشاهدات، تتبع منهج الحاج زغلول النجار، وتطبخ طاجن طب نفسي تخلط فيه الدين بالمادة العلمية بحكايات مريضاتها..
بالطبع لا تزال تجربة يوتوب ثرية بمقاطع فيديو أكثر تخصصًا، فخلال العقد الماضي تبارت الفضائيات في استضافة الأطباء النفسيين للتوعية بخطورة الأمراض النفسية، ولكن عادة ما يتغير مسار الحلقات لينشغل المذيعون والضيوف في توضيح أعراض المرض، وخطورة المريض على من حوله، ويقدمون حفلة تنمر جميلة تجعل أي مريض يحاول إخفاء مرضه حتى لا يصبح موصومًا في مجتمعه، كما حدث في برنامج بثته قناة mbc عن مرضى اضطراب الشخصية الحدية.
ولأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، قرر أكاديمي شهير متخصص في الطب النفسي، يتسلح بزمالة جامعة مرموقة أن يفتتح قناته، ليعطف على المرضى، ويخاطبهم كما يخاطب طلاب الجامعة، متهكمًا على الجهلة الذين سبقوه إلى تجربة التوعية الإلكترونية، ساردًا إنجازاته ومواقف طريفة مع مرضاه، ثم يعرض خدماته المدفوعة لمن أراد الشفاء من هذا القبح.
فجأة سيجد المكتئب نفسه في سوق إلكترونية، يقف عاجزًا فيها عن الاطمئنان لأي شخص أو معلومة.
لا يزال عقل المبادرين خصبًا، فقد نصحوا المرضى النفسيين بالانضمام لجروبات الدعم النفسي على فيس بوك، التي يجدها السلفيون فرصة لتجنيد المرضى وإقناعهم بجدوى «الميديتيشن الإسلامي»، ويجدها أهل السوق السوداء فرصة لعرض أدوية اختفت من الصيدليات، بأسعار مضاعفة، ويمكن للفتيات قراءة تجارب تحرش خلالها أطباء نفسيون بمريضاتهم..
نعم.. هذا هو الواقع – من وجهة نظر أحدهم – من الممكن أن نرفضه ببساطة، وأن نراه سوداوية غير مبررة، تشير إلى وجود مريض نفسي يختبئ وراء مقال رأي، مريض لا بد من إسكاته، حتى لا يشوه المجتمع بأفكاره الشاذة.