الأربعاء 22 يناير 2020 الموافق 27 جمادى الأولى 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

لبنان.. ومملكة الإيمان!

الأربعاء 04/ديسمبر/2019 - 07:44 م
طباعة

يخدعك مَن يدّعى أنه يفهم ما يحدث فى لبنان، الآن، أو يمكنه استنتاج ما قد تشهده بعد ساعة. وتكون طيبًا زيادة عن اللازم لو صدّقت تصريحات مَن يرون الأمور تسير بشكل إيجابى خاصة بعد أن تجمع متظاهرون فى منطقة المنارة ببيروت أمام منزل سمير الخطيب، المرشح لترؤس الحكومة، معلنين رفضهم له، بزعم أنه امتداد للمنظومة الحاكمة ومتهم بالفساد المالى!.
النار التى أشعلتها قناة «أو تى فى»، أججتها ملاسنات أو حرب البيانات، قام ثلاثة من رؤساء الحكومة السابقين، فى أحدثها، باتهام ميشال عون، رئيس الجمهورية، بأنه خرق الدستور واتفاق الطائف، نصًا وروحًا، وأنه اعتدى بشكل سافر على صلاحيات النواب بتسمية رئيس الوزراء المكلف، ورأوا فى ذلك استخفافًا بمطالب اللبنانيين وتجاهلَا لإرادتهم.
ردًا على هذا البيان، الذى حمل توقيعات نجيب ميقاتى، فؤاد السنيورة وتمام سلام، نفت رئاسة الجمهورية قيام الرئيس بخرق الدستور أو اتفاق الطائف، وأكدت أن الهدف من إفساح المجال أمام المشاورات، كان تأمين تأييد واسع لرئيس الوزراء المكلف، تفاديًا للتجارب المؤلمة التى حدثت فى أيام مَن أصدروا البيان.
فى مقدمة نشرة أخبار، حمّلت قناة «أو تى فى» كل رؤساء الحكومة السابقين، مسئولية ما آلت إليه الأوضاع الحالية. واتهمت سعد الحريرى، رئيس الحكومة المستقيل، بركوب موجة التحركات الشعبية وبالوقوف عائقًا أمام حل الأزمة. وقالت إن المخفى الأعظم «يكمن فى تدفيع «حزب الله» ثمن قلبه معادلة الجيش الإسرائيلى الذى لا يقهر، إلى المقاومة التى لا تقهر.. إلخ». وهنا تكون الإشارة مهمة إلى أن قناة «أو تى فى»، يديرها روى الهاشم، صهر الرئيس اللبنانى. وهى تابعة لـ«التيار الوطنى الحر»، الذى يتزعمه جبران باسيل، وزير الخارجية فى حكومة تصريف الأعمال، المستقيلة، وصهر الرئيس أيضًا.
رئيس الدولة فى لبنان مسيحى، ورئيس البرلمان مسلم شيعى، ورئيس الحكومة مسلم سنى، طبقًا لقاعدة التمثيل الطائفى، التى كان من المفترض إلغاؤها خلال «فترة انتقالية»، بدأت سنة ١٩٨٩، مع توقيع «اتفاق الطائف» ولم تنته إلى الآن. وعليه، جرى اتهام «التيار الحر» بالسعى إلى «انقلاب سياسى على اتفاق الطائف»، ورأى البعض أن ما جاء فى النشرة «يضرب العيش المشترك، ويحاول أن يقيم ثنائية شيعية- مسيحية فى مواجهة السنة».
كان أعلى المنتقدين صوتًا، هو أحمد الحريرى، أمين عام «تيار المستقبل» الذى سأل: «من هو عبقرى الفتنة الذى أفتى للمحطة بتلك المقدمة السياسية بكل ما تنضح فيه من كراهيات تُصيب العيش المشترك والسلم الأهلى فى الصميم؟». واتهم القناة أو التيار الحر بـ«تحريض المسلمين على بعضهم البعض، وتعبيد الطريق إلى فتنة مذهبية». وأضاف: «إذا كان جبران باسيل يراهن على فتنة بين السنة والشيعة، ليلعب فى غير هذا الملعب».
اللجنة المركزية للإعلام فى «الوطنى الحر» ردت على ذلك ببيان أكدت فيه أن مقدمة الأخبار لا يكتبها «التيار» ولا رئيسه، ولا يتم حتى الاطلاع عليها، موضحًا أن هذه المقدمة بالذات لا تعكس موقفه. وهو ما رد عليه «تيار المستقبل» ببيان أصدرته «هيئة شئون الإعلام» جاء فيه أن التيار الوطنى «كان يجدر به أن يعلن عن أسفه على مقدمة المحطة الناطقة باسمه وأن يتبرأ منها، لأن ما ورد فيها يُمثّل قمة التجنّى على التاريخ وقمة الاعتداء على الدور التاريخى لرؤساء الحكومات». وأشار بيان «المستقبل» إلى أن نواب «التيار الوطنى» ومسئولين فيه شنوا على الشاشات وفى مواقع التواصل الاجتماعى «حملات ضد الرئيس الشهيد رفيق الحريرى والرئيس سعد الحريرى». وسأل: «هل هؤلاء أيضًا لا يعبّرون عن رأى التيار؟ وهل يريدون من اللبنانيين أن يصدّقوا أن محطة (أو تى فى) مستقلة سياسيًا وإعلاميًا؟».
وسط كل هذه «المعجنة»، قام وليد جنبلاط، رئيس الحزب التقدّمى الاشتراكى، بزيارة نبيه برى، رئيس مجلس النواب، وأهداه نسخة من كتاب عن تاريخ إسبانيا الإسلامية، ستجد اسمه فى الفقرة التالية. وخلال اللقاء الذى جمعهما قبل ظهر الثلاثاء فى عين التينة، جرى تناول الأوضاع العامة والمستجدات السياسية. وبعد لقاء الأربعاء النيابى، نقلت مصادر عن «برى» أن الأمور تسير بمنتهى الايجابية، فى ضوء إبداء الجميع رغبتهم فى تقديم تنازلات لحلحلة الأزمة.
إسبانيا الإسلاميّة، أو الأندلس، كما كان اسمها فى القرن السابع عشر الميلادى، توصف بأنها كانت جنّة التسامح. ويصفها المؤرخ براين إيه. كاتلوس، Brian A. Catlos، بأنها «مملكة الإيمان»، Kingdom of faith، فى عنوان كتابه، الذى أوضح فيه كيف قام المسلمون، المسيحيون واليهود معًا ببناء حضارة متطوّرة، حتى أثناء حروبهم القاسية ضد بعضهم البعض، مؤكدًا أن الدين كان فى غالبية الأحيان لغة الصراع، لكنه لم يكن سببه.

ads