-
الأحد 15 ديسمبر 2019 الموافق 18 ربيع الثاني 1441
لينا مظلوم
لينا مظلوم

شباب وشباب.. وما بينهما سياسة

الثلاثاء 03/ديسمبر/2019 - 08:50 م
طباعة
بعض الثوابت تفقد فاعلية وحيوية أوراقها الخضراء حين تَصهر فى نار التجربة تتحول إلى مجرد أوراق يابسة لا نفع يرجى من أصوات تكسرها. نداءات الشباب ما زال صداها حاضرًا منذ عام ٢٠١١ تدفعهم رغبة المشاركة بدور فى الحياة السياسية بعد الجمود والترهل الذى سرى فى مفاصلها. العنوان البراق يبدو فى ظاهره منطقيًا، لكن شيطان «الثورات» غالبًا ما يكمن فى التفاصيل.. وهى هنا آلية تطبيق هذا المطلب المشروع، إذ أكدت التجربة المريرة ما كان متوقعًا حدوثه للشباب بكل البراءة والتلقائية، وعدم إدراك خطورة المتربصين حوله ممن يريدون بيعه باسم الدين فى سوق المصالح السياسية، واقتنصوا الفرصة الذهبية التى قدمها لهم الشباب لمحاولة تحقيق حلمهم التاريخى فى السيطرة على مصر.
أبرز الأخطاء الكارثية التى ارتكبها تمرير الممارسة السياسية عبر قنوات لا تمت للسياسة بصلة، النوايا الحسنة والعفوية ليست أدوات تشكيل قاعدة أى بناء أو تغيير سياسى، ولا شحنات المشاعر- مهما بلغ نبل مقاصدها. هى المصنع المثالى لإنتاج جيل قادم يتحمل أعباء السياسة مستقبلًا، ويتم دمجه فى العملية السياسية عن طريق التدريب والممارسة.
حركة المحافظين الجديدة حملت عدة إشارات فارقة للرد على مهاترات بعض من ارتدوا أقنعة الانتماء إلى تيارات مدنية دون الخجل من وضع يدهم فى يد «عصابة» أو جماعة لا ترتوى إلا من دماء الأبرياء.. «هم» يزعمون عدم تمكين الشباب وكتم أصوات المعارضة.. الرد حدث على أرض الواقع مع أكبر حركة تعيين من جيل الشباب وسياسيين من أحزاب معارضة فى مناصب تنفيذية عليا. تشكيل حركة المحافظين قطع الطريق على سموم لم يعجز «غربان» الداخل والخارج من ترديدها، والإيعاز الذى لم يعد سرًا يخفى على أحد، مصدره جماعة لم تشف من صدمة تحطم مخططها الخبيث فى مصر. حق الشباب المشروع لم يكن غائبًا عن القيادات التى أعادت مصر إلى قوتها بعد إنهاك سياسى وأمنى تعرضت له منذ عام ٢٠١١، لكن الفرق شاسع بين تمكين قائم على مراحل تأهيل وتدريب سياسى يؤهل الشباب لتولى مناصب قيادية، وبين اندفاع حالة شعورية كان متوقعًا لها التخبط، ثم الاستسلام لمن أرادوا استخدامها أداة لتحقيق أطماعهم، حتى ولو على جثة ١٠٠ مليون مصرى، خصوصًا إن التيارات الشبابية لم تكن حتى تملك بوصلة توجهها نحو رؤية سياسية تحقق لها مطالبها.
تجربة الأحزاب التى يحتل الشباب مناصبها القيادية- حتى وإن لم تكتمل ملامحها بعد- أحدثت تغييرًا فى الحياة السياسية، النواب الشباب داخل البرلمان، الاستعانة بنواب للوزراء والمحافظين من الشباب، البرنامج الرئاسى للشباب ودوره منذ عام ٢٠١٥ فى بناء كوادر تكون قادرة على استخدام الوسائل الحديثة فى تكوين رؤيتها السياسية للمستقبل من خلال برامج للمتدربين لتعريف الشباب بجميع جوانب الإدارة العامة من خلال محاضرات، وورش عمل وتدريب عملى، وزيارات خارجية للتعرف على التجارب السياسية الدولية. هذه القنوات ليست مجرد عناوين.. هى القنوات الوحيدة الضامنة لتحديد ملامح مستقبل سياسى مستقر، خصوصًا أن إحدى مشاكل الدولة فى كل المناصب الإدارية هى غياب الجيل الثانى فى كل الإدارات.. ما يؤكد أهمية الدفع بالشباب لتكوين صفين ثانٍ وثالث داخل كل المؤسسات والإدارات.
حركة المحافظين ضمت عناصر من أحزاب سياسية معارضة ومعارضين من داخل البرنامج الرئاسى لتدريب الشباب، ما يتيح مساحة أكبر لتنوع الأفكار والرؤى. ليس هناك صوت عاقل يدعو إلى إلغاء المعارضة وتعددية الآراء، خصوصًا حين يبلغ أداؤها درجة من الحكمة والوطنية، هى حالة من الوعى السياسى تشهدها معظم ديمقراطيات العالم، إذ تهرع أحزابها المختلفة إلى موقف الاصطفاف الشعبى، وتوحيد الجبهة الداخلية فى حالات الحروب والأزمات.. وهى المرحلة التى أوشكت مصر على تجاوزها. لا يوجد رأى سوىّ يعترض على حرية الآخرين فى الاختلاف.. لكن الفرق شاسع بين هذا الحق، ومن اختاروا بيع أنفسهم ليصبحوا جزءًا من لعبة رخيصة فى مناورات الاستفزاز الذى تمارسه جماعة «طز فى مصر» وذيولها.
«عقل» المعارضة يحتم عليها، وهى تضع عينًا على مطالبها وحقوقها، أن توجه العين الأخرى نحو واقع الحاضر المصرى بكل إيجابيات ما تحقق من إنجاز هائل فى مجالات مختلفة، أجبر المؤسسات الدولية على الاعتراف بنتائجه، بالإضافة إلى دور المعارضة فى طرح رؤية واقعية لتجاوز كل التحديات التى ما زالت مصر تواجهها. الرشد السياسى الذى يمنح أى معارضة مصداقية يفرض عليها عدم إدارة ظهرها للوطن والمشاركة فى وضع حلول موضوعية وفق حكمة من يمنح المحتاج سنارة ثم يعلمه اصطياد رزقه بها، وليس على طريقة «صبى المعلم» فى حلقة السمك الذى يقتصر دوره على الصراخ كى يحفز الزبائن على الشراء.
فعل الاحتجاج أو مطلب التغيير يفقد الكثير من مقومات النبل حين يلغى عقله، عندها بدلًا من أن يصبح هدف التغيير الاندفاع نحو بناء حياة جديدة ومستقبل أفضل، سيولد داخل أجيال قادمة شحنات غضب تدفع به إلى حالة انتحارية- وهو ما حدث فى عدة دول عربية- ذات الجريمة التى تحاول الدعوة لها كل يوم، حتى عن طريق أكثر الرسائل سذاجة وغباء، شراذم جماعة يائسة مدفوعة فقط بالانتقام.. لم يرد ضمن مفردات تاريخها منذ عام ١٩٢٨ كلمة واحدة عن الوطن والمواطن.