-
الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 19 ربيع الثاني 1441
بسنت حسن
بسنت حسن

«ليليان» والولايات غير الشرعية

الجمعة 22/نوفمبر/2019 - 07:47 م
طباعة

«ليليان» هو اسم الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لفتاة عبرت- سيرًا على أقدامها- الولايات، التى اتحدت فى يوم ما لتصبح أرض الأحلام، فانتهى بها الحال لتصبح كيانًا يعمل فى الكثير من الأحيان ضد الإنسانية وحقوق الضعفاء.
استغرقت رحلة الفتاة فى الواقع ٤ سنوات بدأتها من نيويورك عام ١٩٢٦ حتى رحلت عن الحياة فى ألاسكا عام ١٩٣٠.. تلك العابرة كان اسمها «ليليان»، وكان عبورها خلال رحلتها الوجودية تلك حدثًا ملهمًا لمخرج العمل، فقدم من خلال تلك القصة الإنسانية شديدة الخصوصية فيلمه الروائى الأول.. رحلة ليليان فى الفيلم أدمت قدميها، وخضبت أرض الولايات بدمائها التى أضيفت لدماء الأيرلنديين والهنود الحمر من قبلها، عندما ساروا جميعًا على طريق الآلام- طريق الحلم بالـ«لالا لاند» وهو نفس الطريق الذى قطعته تلك العابرة للحدود، والتى انطلقت من نيويورك عائدةً لروسيا، ولكنها ماتت فى ثلوج ألاسكا قبل الوصول للمياه الدفيئة التى تحلم بلادها روسيا- منذ قرون- للوصول إليها.
لم تستطع ليليان الوصول لتلك المياه، ولم تصل لبلدها، ولم تبلغ ذلك الدفء فى بلاد يموت من على أرضها ولا يعبأ بهم أحد.
ورغم ذلك يُظهر الفيلم لافتات يقول من كتبها إنه على استعداد لدفع مليون دولار أمريكى ليجد مفقودًا يبحث عنه، فى حين سارت هى على قدميها لسنوات كى تعبر الحدود بعد انقضاء المدة القانونية المسموح لها فيها بالمكوث على تلك الأراضى التى أريد لها أن تكون ملاذًا للجميع، فتحولت لأراضٍ يعانى فيها الكثيرون، وعلى رأسهم سكان البلاد الأصليون الذين سرقت منهم أراضيهم لصالح آخرين.
لقد أطلعتنا ليليان على أحوال القاطنين فى الولايات، التى جابتها متكبدة الآلام لترينا ما عاشته وعايشته خلال رحلتها الكبرى.. تلك الرحلة الوجودية، التى استغرقت منها ٤ سنوات كاملة، تعاقبت المواسم عليها، وتعاقب عليها بطبيعة الحال الليل والنهار.. كان كل شىء يتغير من حولها حتى الطبيعة والبشر، أما ما تحياه هى فقد كان واحدًا لا يتغير.. لقد أقدمت على السير حتى آخر لحظة فى حياتها، أما البشر حولها فكانوا أناسًا لا يتطورون فقط يتشرسون.. وصمدت هى طوال ذلك الطريق حتى خارت قواها، وقتلتها الثلوج، ولم تستطع الصمود أمام قسوتها وقسوة البرد الموحش.
رحلت ليليان ولكن قبل رحيلها صحبتنا معها فى رحلتها التى عشناها بكل تفاصيلها فيما يزيد على الساعتين وهو زمن الفيلم، الذى كان من الممكن اختزال حوالى عشرين دقيقة منه، لكنه قرار المخرج الذى أراد لنا معايشة حقيقية لرحلة ليليان الشاقة وطريق الآلام، الذى قطعته فى عمل فنى عالى الجودة، معنىٌّ بأدق التفاصيل المعيشية والإنسانية، وكأنه عمل تسجيلى.
فالفيلم هو العمل الأول لمبدعه المخرج والفوتوغرافى، الذى لديه سجل حافل فى مجال التصوير وصناعة الأفلام التسجيلية.
وماتت ليليان فى نهاية الفيلم.. قتلها البرد والفقر والتجاهل فى ظل عولمة لا ترحم وإمبريالية تسحق الإنسان ولا تعبأ به.
مرت ليليان خلال رحلتها بمقاطعات وولايات تبارى مرشحوها فى كسب المؤيدين.. واستمعت لخطب هؤلاء المرشحين الطنانة، ووعودهم الواهية على أراضٍ لم تكن يومًا لهم، وبالتالى كان وجودها على تلك الأرض لا يمكن وصفه بغير الشرعى.. فلا يوجد شىء غير شرعى على أرض مسروقة «أرض غير شرعية»، وبالتالى لا يمكن على أرض مسروقة الحكم على ليليان حكمًا أخلاقيًا تُتهم فيه بسرقتها للطعام وبعض الملابس اللازمة لمواجهة تقلبات الطقس.. تم السطو عليها وانتزاعها من سكانها الأصليين
لذلك لا أثق فى رجل أبيض.
هكذا كان لسان حال الهنود الحمر، ملاك هذه الأرض المشتهرة إعلاميًا بأنها الولايات الأمريكية.
ففى تظاهرة لهم جاءت فى سياق العمل.. مقابل عشرات الخطب الموازية للمرشحين البيض ممن يعدون ولا يوفون، ويقدمون دومًا البونبون لجمهورهم مثلما يلقون عليهم بالكلام المعسول.
نالت ليليان وسطهم أفضل وأكثر الأطعمة، وكان هذا هو الطعام الوحيد الوفير غير المسروق، الذى حصلت عليه ووهبوه لها.
حتى السيدة البيضاء التى رأفت بحال ليليان عن حق، لم تستطع الأخيرة تصديقها أو قبول منحتها.
فقد مرت من قبل بالكثير من البيضاوات غير العابئات، واللاتى يثرثرن فقط فى هواتفهن النقالة من أجل ترويج بضائعهن فى المجتمع الاستهلاكى، الذى تعلو فيه قيمة المادة أكثر بكثير من قيمة الإنسان.
لقد سرقت ليليان الملابس من هؤلاء لتحتمى من البرد فى الشتاء، وحرارة الشمس فى الصيف، لكنها فى أحد المشاهد أخذت قبعةً ورديةً بعد أن غافلت صاحبة المتجر ومن حولها من المستهلكين لتلقى بها بعد ذلك على الأسفلت.. فهذا هو المكان الذى يليق بتلك البضائع ومستهلكيها فى نظر تلك العابرة للبلاد.
لقد ألقت ليليان بالقبعة، وكأنها تقول لهم: ها هى أشياؤكم التى أعافها كما أعافكم أنتم، وأريد ترك أراضيكم وإن كلفنى ذلك حياتى.
وبعد لحظات نرى ملصقًا مكتوبًا عليه: ابتسم.. فهذا ما كانت تريده أمك عندما أنجبتك، لأنها تحب الحياة!.
إنه العبث، وقمة التراجيديا التى جسدتها كاميرا المخرج الواعية، التى جابت لنا وتجولت مع ليليان خلال رحلتها.
وكان الراوى فى الفيلم هو الراديو.. فقد سمعنا طوال الفيلم صوت المذياع الذى يثرثر دومًا، معبرًا عن تفاهة المرتاحين وترفهم، وشكواهم من برودة الطقس فى الشتاء، وليليان تنزف صامتةً من الآلام والمسير، ولم تنطق بكلمة واحدة طوال زمن الفيلم.
هى لم تتحدث لأنها كانت هى الحدث.
أما العاطلون عن العمل والفعل فكانوا هم وحدهم المثرثرين.