الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 الموافق 13 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

رائحة أنيس.. رحلة البحث عن حقيقة بيع تراث «الفيلسوف»

الأربعاء 20/نوفمبر/2019 - 09:03 م
أنيس
أنيس
إيهاب مصطفى - حمدين حجاج
طباعة
«لم تكن ليلة عادية فى حياتى.. كانت المرة الأولى التى أنام فيها مهمومًا ومشغولًا لهذه الدرجة».. بتلك الكلمات وصف على حلمى، صاحب محل لبيع التحف والأنتيكات فى حى مصر القديمة، شعوره بعد أن تحوَّل فى ساعات قليلة لهدف يتربص به وحش «السوشيال ميديا»، الذى راح يُهاجمه ويتهمه بتبديد مقتنيات الكاتب الكبير الراحل أنيس منصور.
كلمات «حلمى» التى تصف خوفه وشعوره بالظلم «قطعة متقدمة» فى لغز بيع مقتنيات «منصور»، الذى تتبعته «الدستور» خطوة خطوة لتقدم لقرائها الصورة كاملة.

بدأت الحكاية حينما نشر أحد الصحفيين صورة على «فيسبوك» لإعلان عن عرض مجموعة من مقتنيات الراحل الكبير «أنيس منصور» للبيع فى أحد المتاجر.
بمجرد نشر الصورة التى تضمنت لوحة مكتوبًا عليها «فيلا الأديب أنيس منصور»، بصحبة مجموعة من المقتنيات الأخرى- اندلعت ثورة غضب مستنكرة بيع مقتنيات أنيس منصور.
تواصلنا مع الإعلامى محمد موافى، أول من نشر صورة الإعلان على صفحته الشخصية، وتعليقًا على الأمر قال: «هذه الصورة التقطتها من محل لبيع الأنتيكات والروبابيكيا يملكه رجل يدعى (على حلمى)، بمصر القديمة»، ولم يزد على هذا الحديث كلمة.
نقطة الانطلاق الثانية بدأت بالحديث إلى الكاتبة الصحفية منى رجب، ابنة زوجة الأديب الراحل، التى نفت بشكل قاطع أن تكون تلك المقتنيات تنتمى لـ«أنيس منصور».
وأوضحت: «تلك المقتنيات لا صلة لنا بها، والدتى كانت المسئولة عن شراء كل الأشياء التى تخص البيت، وبحكم معرفتى بذوقها واختياراتها، فتلك النوعيات الموجودة فى الصورة لا تستهويها مطلقًا، وبالتالى مستحيل أن تكون قد أقدمت على شرائها».
وتابعت: «اللوحة المكتوب عليها (فيلا الأديب أنيس منصور)، ليست صحيحة، على الرغم من أنها مكتوبة بنفس الخط الذى كان يفضله، لأنه لم يكن معجبًا أو مفتونًا بوضع تلك المسميات قبل اسمه إطلاقًا، ولولا تلك الكلمة لاعترفت بأنها فعلًا من متعلقاته».
المشهد الأخير من رحلة البحث عن مقتنيات صاحب «٢٠٠ يوم حول العالم»، هو البحث عن «على حلمى» الطرف الأساسى والرئيسى فى القصة.
كانت رحلة الوصول إلى الرجل مغامرة كبيرة، فكل ما نعرفه عنه هو أنه مجرد بائع تحف وأنتيكات فى حى مصر القديمة.
بالقرب من «مجمع الأديان» الموجود فى ذلك الحى القديم والعتيق، تجد محلات بيع التحف والأنتيكات منتشرة بصورة كبيرة، للوهلة الأولى اعتقدنا أن هذا يُزيد من صعوبة المهمة، لكن بمجرد السؤال عنه، جاءتنا الإجابة بأسرع مما نتوقع.
حسب الوصف وصلنا إلى المكان المراد، وجدنا أنفسنا فى حضرة رجل خمسينى العمر، ذى شعر أبيض، يتمتع بثقافة كبيرة، بعد التعارف وتبادل الكلمات الدافئة أخبرناه بالغرض من الزيارة، كان الرجل متخوفًا من الحديث فى بادئ الأمر، لكن بعد إلحاح أقنعناه بالكلام:
فقال: «أعمل فى تلك المهنة منذ عشرين عامًا، وخلال تلك الفترة تعاملت مع صفوة المجتمع من رجال أعمال وكتاب ومفكرين، وعادة ما أشترى جزءًا من المقتنيات الخاصة بهم التى يتم عرضها للبيع».
وأضاف: «فمثلًا عندما يقصدنى زبون لشراء بعض التحف، ويجد أنها تخص أحد المشاهير، أجده حريصًا على اقتنائها مهما بلغ سعرها».
وواصل: «أحد هؤلاء المشاهير الذين كان لى حظ شراء بعض مقتنياته، هو الكاتب الصحفى الكبير أنيس منصور، الذى بشكل شخصى أعشق كتاباته وأحفظ معظمها عن ظهر قلب».
وأوضح: «منذ خمس سنوات تقريبًا عرض ورثة أنيس استراحته الخاصة بشبرامنت للبيع، فذهبت واشتريت بعض الأشياء، منها مكتبته الخشبية وليس كتبه، فقد تبرع بها للجامعة الأمريكية، بالإضافة لشراء بعض ملابسه الخاصة، وللعلم فقد تبرعت بها للفقراء، ولم أحتفظ إلا بملابس الإحرام الخاصة به، وسريره الخاص، الذى أنام عليه حاليًا».
وقال: «جميع الأشياء الأخرى التى تحصلت عليها لا يمكن أن تكون مقتنيات، فقد اشتريت مثلًا بعض الأجهزة الطبية المتهالكة التى كانت تستخدمها زوجته فى مرضها، بهدف التجارة فيها، وهذا شىء طبيعى يحدث باستمرار فى كل عمليات البيع والشراء التى أقوم بها».
وتابع: «اللوحة المكتوب عليها (فيلا الأديب أنيس منصور) أصررت على الحصول عليها والاحتفاظ بها حُبًّا فى هذا الصحفى الكبير، وهى كانت موضوعة بالفعل على سُور فيلته تلك، بجانب كونها أشبه بماركة تجارية تُزيد من قيمة المعروضات المختلفة التى أبيعها».
وواصل: «رغم أن تلك اللوحة موضوعة عندى منذ سنوات، ولم تبرح مكانها منذ فترة طويلة، فإنه بمجرد نشر صورتها على مواقع التواصل الاجتماعى، انقلبت الدنيا ولم تقعد، فقد فوجئت بعدد من الصحفيين من صحف مختلفة يتواصلون معى للحديث عنها». وتابع: «المؤسف كان بعض الادعاءات التى اتهمتنى ببيع مقتنيات أنيس منصور فى مزاد لأعلى سعر، فقد عاملونى كمتهم دون أدلة، ولم يتركوا لى حتى فرصة إثبات براءتى أو الدفاع عن نفسى».
واختتم: «إحنا فى كار أهم حاجة فيه السُمعة.. كانت ليلة صعبة جدًا.. لم أتوقع هذه الضجة الكبيرة التى تسببت فيها الصورة، كل ما أطلبه من هؤلاء أن يسمعوا ويفهموا أولًا ثم يحكموا».