الأحد 08 ديسمبر 2019 الموافق 11 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
منى رجب
منى رجب

أميرة ودارين ونيرمين.. البنات قادمات

الثلاثاء 19/نوفمبر/2019 - 11:30 م
طباعة


بنات مصر قادمات فى كل المجالات.. إنهن يتقدمن الصفوف بسرعة مذهلة فى مختلف المجالات، بل اقتحمن مجالات جديدة كانت مغلقة عليهن من قبل، وفزن أيضًا فوزًا ساحقًا ومشرفًا، فعلى سبيل المثال لا الحصر أسدلت الجامعات الحكومية والخاصة، الخميس الماضى، الستار على انتخابات الاتحادات الطلابية للعام الدراسى ٢٠١٩- ٢٠٢٠، التى استغرقت أسبوعين، وفى مفاجأة رائعة تبعث على الفرح والفخر، فازت طالبتان بمنصب رئيس اتحاد الطلاب بجامعتى القاهرة وحلوان.
حصدت الطالبة دارين محمد خليل، الطالبة بكلية الإعلام، منصب رئيس اتحاد جامعة القاهرة، وهذه قفزة هائلة، فى رأيى، للأمام باتجاه تقدم مصر، وريادة جديدة فى المنطقة، وعقب فوزها مباشرة، أعربت دارين عن سعادتها بهذا الفوز معبرة عن ذلك بالقول: «إن نجاحى رسالة لكل فتاة، وإن دور الفتاة أصبح محوريًا، وعليها ألا تتردد فى التقدم لأى منصب قيادى أو خدمى ترى نفسها فيه، وأكدت أن لديها خطة طموحة للأنشطة الطلابية».
كما فازت نيرمين وائل، الطالبة بالسنة الرابعة بكلية التجارة وإدارة الأعمال بجامعة حلوان، بالتزكية فى سابقة تعكس اقتحامًا جديدًا وفوزًا مشرفًا لبنات الجامعة، ولا شك أن الطالبتين لديهما شجاعة فائقة نظرًا لترشحهما أمام الطلبة فى جامعتين كبريين، ولديهما أيضًا إرادة وشعبية وخطط طموحة، بدليل أن مجهودهما تكلل بفوز مشرف لهما، ولا شك أن لديهما الكثير من الأحلام والآمال لخدمة الطلبة وزيادة الأنشطة للبنات، وأيضًا لتحسين أحوال الطالبات ودعمهن أمام محاولات تهميشهن وممارسة الديمقراطية داخل الجامعة.
أما أغرب فوز فى رأيى، والذى يستحق وقفة خاصة، فهو نتائج انتخابات اتحاد الطلبة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، حيث فازت الطالبة أميرة رمزالدين بذات الكلية بمنصب رئيس اتحاد الطلاب، وهى أيضًا قفزة نوعية هائلة ومزلزلة بل ومفاجئة من العيار الثقيل تستحق أن أحييها عليها لشجاعتها، لأنها ببساطة شديدة فتحت أبواب التقدم والديمقراطية خاصة فى هذه الكلية، أمام الطالبات، حيث تسيطر تيارات متشددة منتشرة بين الطلبة على مقاليد الأمور.
وأعقب فوز الطالبة أميرة بمنصب رئيسة اتحاد كلية دار العلوم انطلاق حملة ظلامية ممنهجة من أصوات متشددة داخل الكلية تندد بفوزها، وارتكزت الحملة الإخوانية على التنديد بفوز فتاة غير محجبة برئاسة اتحاد الطلاب فى الكلية التى تقوم بتدريس عدد من المواد الدينية، وجاء رد الطالبة على هذه الحملة ليعكس ذكاءها وكفاءتها وشجاعتها، بل وثقتها بنفسها كطالبة ستشق طريقها بثبات لتحقيق النجاح الساحق فى ساحة العمل الطلابى، وهذا ما كشفت عنه أميرة عندما قالت: «لن أنشغل بهذه الحملة أو بغيرها، وهؤلاء سأرد عليهم بالعمل لا بالكلمات».
وجاء تعليق عميد كلية دار العلوم د. عبدالراضى عبدالمحسن داعمًا لفوز أميرة باستعادة عراقة التاريخ المصرى القديم، الذى كانت فيه المرأة ملكة متوجة، وهو رد موجز يعكس عقلية مستنيرة ستتمكن من نقل الكلية إلى آفاق رحبة ومتقدمة، حيث قال العميد ردًا على الحملة الظلامية التى استهدفت أميرة: أنا لا أستغرب من الهجوم على فوز أميرة، وإن انتخاب طالبة غير محجبة هو استعادة لروح الحضارة المصرية، وهذه التعقيبات لا نستغربها، حيث نخوض معركة التغيير والبناء والتطوير فى منظومة كلية دار العلوم لتعود مرة أخرى إلى حضن الدولة.. واستشهد «العميد» برائعات مصر فى الفرعونيات كالملكة حتشبسوت فى إشادة منه بالحرية فى اختيار طالبة، كما انتقد بشدة سيطرة التشدد الدينى على الكلية منذ سبعين عامًا، وبالطبع وجه ضده سيلًا من الهجوم نتيجة موقفه من فوز أميرة عليهم، حيث هاجموا الفوز وانتقدوا بشكل واضح من خلال وسائل التواصل الاجتماعى.
والحقيقة أن العميد قال كلامًا ينبع من واقع أليم ومؤسف داخل الكلية العريقة، والتى كنت أنا شاهدة عليها فى تجربة حية فى منتصف تسعينيات القرن الماضى، حيث كنت قد دعيت للحديث فى ندوة أدبية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة مع الناقد الراحل د. عبدالعزيز شرف، وكانت الندوة حول أدب القصة القصيرة.
وفى الندوة فوجئت لدى دخولى المدرجات بوضع غريب جدًا يعكس فصلًا عنصريًا وتعسفيًا بين الطلبة والطالبات، فالطلبة يجلسون فى الناحية الشمال من المدرج، والطالبات تجلسن فى ناحية اليمين، وعندما سألت عن هذا المشهد العنصرى واللافت للنظر بعد انتهاء الندوة، فقال لى أحد المدرسين الذى قام بفصل الطالبات عن الطلبة: إن هذا المشهد يتم بفعل تيار متشدد داخل الجامعة، وإن أعضاء اتحاد الطلبة المتشددين يفرضون هذا الوضع العنصرى كنظام وبقوة، بل ويفرضونه بترهيب الطالبات.
وأضاف أن التيار المتشدد يسيطر على الحياة داخل الكلية، ويحظر الاختلاط داخل المدرج، وقد استنكر هذا المدرس الوضع المؤسف قائلًا إنه أثناء سنوات الدراسة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى سبعينيات القرن الماضى لم نر هذا التعسف وهذا الفصل العنصرى، ولم يكن اتحادات الطلبة فى هذا التوقيت يسيطر عليها التيار الدينى المتطرف، إلا أننا رأينا هذا التطرف الدينى ينتشر داخل جامعاتنا مع نهاية ثمانينيات القرن العشرين، كما بدأت الطالبات ترتدى الحجاب أو غطاء الرأس، وكانت الطالبات المتطرفات تدخلن إلى أماكن استراحة الطالبات لاستمالتهن نحو ارتداء الحجاب، أو ترهيبهن من خلال جماعات التشدد الدينى داخل المدرجات الجامعية فى خطط ممنهجة لنشر التشدد والتطرف بين الطلبة والطالبات.
وتابع المدرس: هكذا بدأت مرحلة فرض الحجاب، ثم النقاب بعد ذلك وكانت من بين طرق الترغيب طباعة الملازم بأسعار زهيدة لجذب الطالبات والطلبة للانتماء لتيارات التطرف، وبدأت تلك التوجهات متواكبة معها مرحلة تنظيم دروس دين فى البيوت من جانب السيدات المتشددات لاستقطاب البنات والسيدات لحضور دروس تدعو للتطرف والتشدد من خلال استغلال الدين فى البيوت أو الجوامع.. وهكذا بدأ تيار التشدد الدينى ينتشر تارة بالترهيب وتارة بالترغيب، وبدأ مظهر وشكل الطالبات والطلبة يتغير والسلوكيات تتغير وتتجه نحو التشدد الواضح والتقهقر للوراء، ومن بين الكليات التى تمت السيطرة عليها كانت كلية دار العلوم، وكان ذلك واضحًا جدًا.
واعتقد المدرس أن فوز طالبة مستنيرة بالتزكية نظرًا لعدم ترشح أحد أمامها، هو أمر فى حد ذاته يعكس نوعًا من الرفض المستتر للتشدد والرغبة فى تحرير طالبات الجامعة من تيار التطرف المقيت الذى يسيطر على مقاليد الأمور فى الجامعة، كما أنه قفزة نوعية فى اتجاه إعطائهن الحق فى ممارسة دورهن كطالبات وفى حياتهن بشكل طبيعى داخل الكلية، ولا شك أن التغيير سيحدث بالتدريج، لذا أحيى شجاعة تيار التنوير الراغب فى التخلص من تيار التشدد داخل الكلية.
لكل ذلك، فإنه من الضرورى أن تحظى أميرة بتعاون كبير من زملائها وزميلاتها المستنيرين ودعمًا مستمرًا من إدارة الكلية لتتمكن من تحقيق برنامجها الطموح، خاصة أنها كانت قد فازت برئاسة اللجنة الثقافية بالكلية وحصدت أعلى الأصوات.. ومن الواضح أيضًا أن هذا الدعم ضرورى وبشكل عاجل من أجل التصدى للحملة الضارية التى تتعرض لها، وسيحاول المتشددون بالتأكيد عرقلة نجاحها فى مهمتها..وأيضًا عميد الكلية فى حاجة إلى دعم الدولة لممارسة مهمته على نحو آمن ومستقر ضد هذا التيار المتشدد.
ولا شك أن فوز البنات الثلاث يعنى أن رياح التغيير قد بدأت تهب فى جامعاتنا، وأن البنات قادمات لا محالة، فهن قد وضعن أنفسهن فى الصفوف الأولى من أجل دفع خطوات التقدم للأمام.. ولا شك أن جامعاتنا فى حاجة إلى دعم الدولة من أجل التقدم بخطى التنوير والإصلاح بشكل أسرع، وحتى تواكب الجامعات مسيرة التقدم والاستقرار التى تخطو بها الدولة بخطى سريعة.
ولا شك أن حركة الفتيات والبنات للأمام تأتى أيضًا اتساقًا مع ثمرة دعم الرئيس عبدالفتاح السيسى للمرأة المصرية، ومطالبته باحترامها ورعايتها ودعمها فى كل المجالات، ما شجع البنات على الترشح، ولا شك أيضًا أنهن من أسر تدعم نجاحهن وتدفعهن للتقدم والنجاح.
إن بنات مصر قد اقتحمن الصعب بهذه الخطوات الشجاعة، وفزن بجدارة ويتجهن بشجاعة وإقدام للصفوف الأمامية فى الجامعات.. إنها خطوة أولية نعم، لكنها فى تقديرى ولا شك ستشجع خطوات أخرى قريبة لبنات أخريات فى الجامعات وفى مجالات أخرى.. وفى مواقع أخرى تحتل فيها البنات مواقع متميزة، وأذكر أيضًا فوزًا عالميًا حققته بنات مصر فى بطولات رياضية عالمية، فى السباحة والاسكواش.
ولا بد أيضًا، من ناحية أخرى، من فتح الأبواب لممارسة الأنشطة الأدبية والفنية فى كل جامعاتنا ونشر الفنون والموسيقى والرياضة داخل الجامعات، كما كان يحدث قبل فى ثمانينيات القرن الماضى، وقبل انتشار تيارات الظلام والتشدد بين صفوف الطلبة، وأقول لمسئولينا ولعمداء الكليات ورؤساء الجامعات ولوزير التعليم العالى: افتحوا نوافذ الضوء ودعّموا التنوير والنور بكل الطرق الممكنة حتى ينحسر دور خفافيش الظلام والتطرف داخل جامعاتنا.