-
الجمعة 13 ديسمبر 2019 الموافق 16 ربيع الثاني 1441

«الملعب للجماهير».. كيف أنهت كرة القدم العبودية في البرازيل؟ (صور)

الثلاثاء 19/نوفمبر/2019 - 02:38 م
جريدة الدستور
وائل توفيق
طباعة
القرن العشرين في البرازيل يشهد تغييرات اجتماعية جذرية في البرازيل، إذ تم إلغاء العبودية بقانون صدر عام 1888، في الوقت الذي كان هناك ما يقرب من 3.5 مليون نسمة من العبيد هناك، وهو ما يضاعف عدد العبيد في الولايات المتحدة بأكثر من 6 مرات.

العبيد المتحررون هاجروا إلى المدن البرازيلية الكبرى، كونوا طبقة فقيرة استمرت لفترة طويلة في الطبقات الدنيا من المجتمع.

ضد السود
النوادي الكبرى ضمنت في شروط الحصول على عضويتها، أن يكون الشخص من ذوى اللون الأبيض من الطبقات العليا في المجتمع، وهو ما رسخ تفوق الجنس الأبيض على غيره، حتى بعد اختفاء العبودية، وبقيت فكرة كرة القدم بوصفها هواية تتطلب من اللاعبين توفير مصدر دخر آخر، وهو ما أصبح حاجزًا أمام اللاعبين الفقراء لعجزهم عن توفير هذا الدخل. حسبماء ذكر في كتاب "كرة القدم..الحياة على الطريقة البرازيلية".
البرتغالي مكشتفة البرازيل، لذا كان عليها أن تفتح أبواب الأندية أمام الجميع، وأصبح نادي فاسكو دي جاما البرتغالي في مدينة ريو أول من كسر الحصار الذي فرضته الأندية الأخرى على السود والملونين من البرازيليين، فتم اختيار اللاعبين الأمهر للانضمام إليه من كل مكان في البرازيل، دون النظر إلى العرق أو المكانة الإجتماعية، وتغلبًا على شرط الدخل الآخر، وفرت الجالية البرتغالية وظائف لكل اللاعبين في المحال التي تملكها، ومن هنا تأهل فرق فاسكو دي جاما عام 1923 للدرجة الأولى، مكونًا من ثلاثة لاعبين سود، وواحد من الملونين، وسبعة من البيض الفقراء.
الفقراء يلعبون بحبات البرتقال
لم تكن هوية كرة القدم في البرازيل برازيلية إلا بعدما تمكن اللاعبون السود من اللعب لصالح الفرق الكبرى، فلم يكن مسموحًا لهم بالمشاركة في البداية، فتغلبوا على عدم تمكينهم من ممارسة اللعبة بالمشاهدة والفرجة من أسطح المنازل المجاورة للملاعب، فأثارت اللعبة في نفوسهم الشغف والمتعة، أكثر من لعبة"الكريكت" اللعبة الأولى للإنجليز.
العبيد لا يمتلكون ثمن كرة القدم؟ وممنوعين من ممارسة اللعبة؟ ولا يتوفر لديهم بطبعية الحال ملابس خاصة؟
تغلبوا على هذه العقبات والمنغصات، بمكان فسيح، واختراع كرتهم الخاصة صنعوها من جوارب محشوة بالقماش وحبات البرتقال الكبيرة، فانتشرت بين أقدام الطبقات الفقيرة، ومع دخول عام 1915 أصبحت كرة القدم الأكثر شعبية في مدينة"ريو" متفوقة على كل مدن أمريكا الجنوبية.
من هنا أصبحت كرة القدم تجمع بين النقيضين، فمن جهة الأغنياء البيض يمارسونها كهواية بغرض التسلية ويشجعون بعبارات متعالية مرتدين الملابس الفاخرة بقبعات عليها أشرطة ملونة من القماش بألوان أنديتهم، ومن الجهة الأخرى لعبها الشبان في الأحياء الفقيرة لقضاء وقت ممتع ينقذهم من البؤس والحزن.
الزنوج في مدينة ريو يلعبون المباريات في كل مكان حفاة، على أرضية مليئة بالحجارة والحصى، لا تصلح للعب، ورغم ذلك لم تكن هناك مساحة مستوية إلا وعليها مباراة لكرة القدم، في الوقت الذي كان فريق إكستر في طريقه إلى الأرجنتين، فأراحوا في "ريو"، ولاحظ رئيس الفريق حالة اللاعبين الزنوج الرثة، فكتب إلى الجريدة اليومية في إكستر يصف لهم الحال.
إدارة نادي بانغو الرياضي كانت الإدارة الأولى التي تسمح للاعبين السود باللعب لصالحهم، بعدما كونته الإدارة البريطانية لأحد مصانع النسيج عام 1904، وسُمح لعمال المصنع وأغلبهم من السود باللعب، لكنه لم يستطع منافسة النوادي الأرستقراطية الأخرى، التي كانت قاصرة على البيض.

حيل للتخلص من العنصرية
اللاعبون الملونون المنتمون لأعراق مختلفة تسربوا إلى النوادي الكبرى بحيل تحميهم من الاضطهاد العنصري، اللاعب هنري فريدنريتش ألماني الأصل لأم برازيلية سوداء، لم يكن في ملامحه ما يشي إلى عرق أمه الأسود إلا شعره المجعد، لذا كان يمشط شعره قدر المستطاع باستعمال الزيون، وهو ما أخّره عن مواعيد بدء المباريات كثيرًا.

أما اللاعب الأشهر كالوس ألبرتو ابن أحد المصورين، أول المنضمين لنادي فلومننسي، كان يطلي وجهه بدقيق أبيض قبل المباريات، لكن الجمهور كان يصيح بعد زوال الدقيق "دقيق الأرز" حتى أصبح هذا النداء الاسم الشعبي للفريق إلى الأبد، وبدأ الجمهور ينثر مسحوق التالك الأبيض في الهواء قبل المباريات، تيمنًا للاعبهم الشهير"كارلوس ألبرتو" ليجلب لهم الحظ في المباريات.

خطوة للخلف
الرحلة التي قطعها نادي فاسكو دي جاما واللاعبين الفقراء السود، والحيل التي ابتدعها اللاعبون لتخطي عقبة العنصرية أثارت غضب النوادي الكبرى التي اجتمعت وقررت إنشاء اتحاد خاص بها مستثنية نادي فاسكو، لكن الشعبية التي تمتع بها النادي اضطرتهم لدعوته ثانية لكن بشروط مجحفة تفضي إلى إقصاء اللاعبين الغير مرغوب فيهم اجتماعيًا، فكان لزامًا على اللاعب كتابة اسمه وتوقيعه على طلب العضوية، وهو ما شكل عقبة أمام نادي فاسكو إذ كان معظم اللاعبين من الأميين، فأرسلهم لفصول محو الأمية، أما اللاعبون الآخرون فكانت أسماؤهم معقدة فاضطروا إلى تغييرها لتصبح أكثر بساطة، فتمكنوا من كتابتها.
بعد ذلك أصر الاتحاد على أن يكون لكل نادٍ ملعبه الخاص، فما كان من البرتغاليين إلا أن تعاونوا وبنوا ملعب سان جينيريو، الملعب الأضخم في البرازيل آنذاك.

كرة القدم تعود للشعب
نادي فاسكو دي جاما غير ملامح كرة القدم وهويتها، فتحولت من مجرد لعبة للتسلية والهواية إلى لعبة احترافية، فمع دخول فترة الثلاثينيات أصبح الاحتراف ضرورة ملحة للحفاظ على اللاعبين الجيدين بعد أن بدأت أوروبا باستقطاب لاعبين من أمريكا اللاتينية، فبدأت الحواجز تنهار رويدًا أمام حرفية اللاعبين ومهاراتهم وموهبتهم، تهافتت عليهم الأندية، فظهرت فرق كاملة من اللاعبين السود مثل فريق بونسو كيسو في مدينة ريو، وعادت لعبة كرة القدم إلى جعبة أبناء الشعب، بعد أن كانت حكرًا على طبقات النخبة.