الأربعاء 26 فبراير 2020 الموافق 02 رجب 1441
لواء. محسن الفحام
لواء. محسن الفحام

تركيا وائتلاف مكافحة داعش

الإثنين 18/نوفمبر/2019 - 08:40 م
طباعة


فى أعقاب الانتهاء من متابعة نتائج اجتماعات مجلس حقوق الإنسان فى جنيف، للوقوف على النتائج والتوصيات التى صدرت عنه فيما يتعلق بالملف الذى قدمته مصر، والذى أسفر عن قيام المجلس بإصدار ٣٧٢ توصية فقط تتضمن ٥ موضوعات رئيسية، وهو ما يعنى الاعتراف بوجود تطور ملموس فى هذا الملف الذى يحظى باهتمام القيادة السياسية، وذلك قياسًا بالنتائج والتوصيات السابقة التى صدرت عام ٢٠١٤ وكانت أضعاف هذا الرقم. توجهت ببوصلة اهتمامى إلى واشنطن لمتابعة اجتماعات اللجنة المصغرة المنبثقة عن الائتلاف الدولى لمكافحة تنظيم داعش الإرهابى، التى شارك فيها السيد سامح شكرى، وزير الخارجية، وذلك لمناقشة الإنجازات التى تحققت فى ملف مكافحة هذا التنظيم، خاصة بعد مقتل زعيمه «أبوبكر البغدادى» والرؤية المستقبلية لمواصلة تلك الجهود حتى يتم دحر هذا التنظيم والقضاء عليه نهائيًا.
ألقى السيد سامح شكرى كلمة تناول فيها جانبًا من جوانب مكافحة هذا التنظيم، من منطلق أن مصر من أكثر الدول التى تعاملت مع ملف الإرهاب ومن بينها تلك العناصر التى تم تجنيدها فى تنظيم داعش، حيث أكد أن المواجهة الأمنية وحدها غير كافية، بل يجب أن يساندها التصدى للفكر الإرهابى الذى يروج له هذا التنظيم، وأن الأزهر الشريف ودار الإفتاء فى مصر على استعداد للمساهمة فى تلك المهمة باعتبارهما منارتى الإسلام الوَسَطى فى العالم الإسلامى.
كان ائتلاف مكافحة تنظيم داعش قد أعلن عن تشكيله فى سبتمبر ٢٠١٤، حيث ضم ٨١ دولة وهيئة عالمية بهدف القضاء على هذا التنظيم نهائيًا، من خلال خمسة محاور رئيسية هى: التقدم العسكرى ووقف عمليات تدفق المقاتلين الأجانب من المناطق التى يتمركز فيها هذا التنظيم ومواجهة الدعاية التى يقوم التنظيم بترويجها لاجتذاب عناصر جديدة للانضمام له، ثم التصدى لجهود تمويل هذا التنظيم وأخيرًا تحقيق الاستقرار الأمنى والتنمية فى المناطق التى يتم تحريرها وإعادة السكان الأصليين إليها إذا كانوا قد خرجوا منها هروبًا من جحيم هذا التنظيم.
وقد فوجئت أن كلًا من تركيا وقطر- وهما من أكثر الأنظمة الحاكمة حاليًا دعمًا للإرهاب وتنظيم داعش- قد انضمتا لهذا الائتلاف منذ الإعلان عن نشأته فى محاولة لإقناع العالم بأنهما ضد الإرهاب، وأن أياديهما نظيفة من دعمه وتمويله بالمال والعتاد فى جميع الدول التى تتواجد فيها تلك العناصر الإرهابية، خاصة فى ليبيا وسوريا والعراق.. وقد كان انضمامهما محل اعتراض وانتقاد من معظم أعضاء هذا الائتلاف خاصة بالنسبة لتركيا.. وهو الأمر الذى ترتب عليه تشكيل لجنة مصغرة منه تضم كلًا من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا وإنجلترا ومصر والسعودية والأردن فقط، وهى تلك اللجنة التى انعقدت مؤخرًا بمقر الخارجية الأمريكية، وشارك فيها السيد وزير الخارجية المصرى.
وقد أشارت المعلومات الموثوقة إلى أن هذا الاجتماع تم بناءً على طلب فرنسا، وذلك على ضوء التهديدات التى دأبت تركيا على التلويح بها ضد دول الاتحاد الأوروبى، خاصة تلك التى شاركت فى اجتماعات اللجنة المصغرة، وذلك بالإفراج عن عناصر داعش الإرهابى المحتجزين فى السجون التركية، والذين يبلغ عددهم ١٢٠٠ عنصر بخلاف ما يقرب من عشرة آلاف عنصر آخرين فى السجون السورية، خاصة محافظتى الرقة وإدلب التى كان يسيطر عليها هذا التنظيم تمامًا إلى أن قامت القوات التركية، وكذلك الكردية بالقبض على أعداد كبيرة منهم وإيداعهم فى سجون شمال سوريا، وذلك فى حال استمرار تلك الدول الأوروبية فى موقفها الرافض للقرار التركى بالتنقيب عن الغاز فى البحر الأبيض المتوسط وقبالة السواحل القبرصية. وفى سبيل تأكيدها على جديتها فى هذا التهديد، فقد قامت بالفعل بترحيل بعض العناصر إلى الولايات المتحدة الأمريكية والدنمارك، وتستعد حاليًا لطرد أعداد كبيرة تحمل الجنسياتين الفرنسية والألمانية خلال الأيام القليلة القادمة، وهو الأمر الذى أحدث حالة من القلق والتوتر لدى هاتين الدولتين، خاصة أن هذه العناصر تعتبر بلا شك قنابل موقوتة لها، حيث أعلنتا رفضهما استقبالهم، خوفًا من تأثيرهم على استقرارهما وأمنهما وخلق أجيال جديدة منهم فى حال عدم توقيع عقوبات رادعة عليهم، خاصة أن كل جرائمهم قد وقعت خارج حدود تلك الدول، وهو الأمر الذى يترتب عليه صعوبة جمع الأدلة التى تدينهم.
وقد ظهر هذا جليًا فى الخلافات التى وقعت بين وزير الخارجية الفرنسى مع وزير الخارجية الأمريكى، حيث يرى الأخير ضرورة استلام كل دولة عناصرها من التنظيم ومحاكمتهم كما يتراءى لها.. فى حين تتبنى فرنسا ومعها معظم الدول الأوروبية ضرورة محاكمتهم فى الدول التى تؤويهم أو الدول التى تم ارتكاب جرائمهم على أراضيها.
وتشير الأرقام إلى أن عناصر داعش فى السجون التركية والسورية والعراقية يحملون جنسية ٥٠ دولة عربية وإفريقية وأوروبية، بالإضافة إلى ٧٠ ألف طفل وامرأة من عائلات الإرهابيين القابعين فى المخيمات على الحدود السورية - التركية، وهو الأمر الذى سوف يُشكل عبئًا وخطرًا على هذه الدول، خاصة على ضوء المعتقدات المتطرفة التى يعتنقها أفراد هذا التنظيم، علاوة على خبراتهم التى اكتسبوها فى العمليات الإرهابية داخل الساحتين السورية والعراقية، وعاشوا فترة طويلة وسط أجواء العنف، وتطبعوا مع مظاهر القتل وتدربوا على حمل السلاح.
يأتى كل هذا فى الوقت الذى يقوم فيه الرئيس التركى، رجب طيب أردوغان، بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية التى تتبنى فكرة عودة الإرهابيين إلى دولهم وأيضًا تتساهل فى انتقاد التوجهات التركية للتنقيب عن البترول قبالة السواحل القبرصية، وهو الأمر الذى يثير التعجب من الموقف الأمريكى تجاه السياسة التركية التى أصبحت تُشكل خطرًا وابتزازًا سياسيًا علنيًا.
إن قضية عودة عناصر داعش إلى بلادهم الأصلية تعتبر تحديًا أمنيًا لتلك الدول التى لا شك فى أنها سوف تستقبلهم شاءت أم أبت تحت الضغوط الأمريكية وسياسة الابتزاز التركية، وهو ما سوف يستدعى ضرورة البحث عن أساليب أكثر صرامة وتأثيرًا فى التعامل معهم ومتابعتهم حتى فى سجونهم، ما يستدعى اعتماد سياسة منع التطرف وبرامج إعادة التأهيل ومواجهة الفكر المتشدد بالفكر الوسطى، وهو ما تنبهت إليه مصر وأشار إليه السيد وزير الخارجية فى كلمته أمام ائتلاف مواجهة داعش.
وتحيا مصر.