-
الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 19 ربيع الثاني 1441

عزت القمحاوي: إيقاعي ريفي وأحب الكسل (حوار)

الأحد 17/نوفمبر/2019 - 09:40 م
جريدة الدستور
آلاء حسن
طباعة
- "المركز القومي للترجمة" من أفضال جابر عصفور على الثقافة المصرية
- موقف نوبل من الألباني إسماعيل كاداريه "غير إنساني"
- "البيست سيلر" ظاهرة صحية وجزء من الحياة الثقافية


الكاتب والروائي عزت القمحاوي صاحب مسيرة طويلة ومستمرة بالصحافة الثقافية، لكنه يعتبر الصحافة مهنة كغيرها من المهن أما مشروعه الأساسي فهو الأدب، وله رصيد كبير من الأعمال الأدبية المتنوعة ما بين القصص والرسائل والنصوص، فضلا عن 6 روايات، منها "مدينة اللذة، وبيت الديب، ويكفى أننا معًا"، وتزخر أعماله الأدبية قضايا إنسانية مهمة منها تجارب الحب والجمال فضلا عن الخوف من الزمن والشيخوخة، مستخدما آليات سردية متنوعة كالسخرية والفنتازيا، وهو ما نجده أيضا في روايته الأحدث؛ "ما رآه سامى يعقوب" الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية بداية العام الجاري.

الرواية تدور حول حياة الشاب سامي يعقوب الذي يعيش بشغف باحثا عن الأمان الذي يمكنه من الحياة برفقة حبيبته فريدة، يعيش سامي وحيدا، بينما تحيط بفريدة مجموعة من صديقات الطفولة اللائي باعدت بينهن الأيام في الظروف والموقف من الحياة، وتتمركز أحداث الرواية على نصف ساعة في حياة بطلها سامى يعقوب، في الطريق من جاردن سيتى إلى إمبابة للقاء حبيبته، التى خطط معها قضاء يوم عيد ميلاده عندها، لكنه يرى فى الدقائق الأخيرة قبل وصوله ما يجعله يعود إلى شقته ويحكم إغلاقها على نفسه، ينظر بخوف إلى اسمها الذى يعاود الظهور على شاشة تليفونه المكتوم الرنين، وتباعا تتحوَّل الصورة من الحلم الوردي الجميل إلى الانكسار والهزيمة، بل إلى الموت الذي يبدو كهاجسٍ أساسي لا يطارد بطل روايتنا سامي يعقوب فحسب، بل يطارد الكاتب الروائي عزت القمحاوي نفسه.

"الدستور" التقت القمحاوي، للحديث عن تجربته، فضلا عن القضايا التي تشغل الأوساط الثقافية في الوقت الحالي، وعلى رأسها ما يتعلق بالمسابقات الأدبية وحركة الترجمة، وظاهرة البست سيلر، والجوائز العالمية وخاصة "نوبل".
إلى نص الحوار..

• هل كان ضروريا توثيق المكان والزمان في أحدث رواياتك "ما رآه سامي يعقوب"؟

- الحقيقة الروائية هي منفصلة بذاتها عن الواقع، ولكن أيضا وفاء للواقع، ومن الجيد أن نكون على دراية بالواقع سواء استخدمته واحتجته في الرواية أو لا؛ يعني مثلا "ما رآه سامي يعقوب" قرأت فيها كتب عن القطط للتأكد من خصال القطط، المهم أن يكون منضبطًا وحقيقته العلمية تكون واضحة، لذلك تابعت شروق وغروب الشمس على جاردن سيتي، والجغرافيا التي مشى فيها البطل من ميدان التحرير ليقرر اتجاهه إما لشارع قصر العيني أو ناحية مسجد عمر مكرم، كل تلك الأمور تكون في خلفيتي مع العلم بأن الحقيقة الروائية مستقلة لكن استقلالها لا ينبغي أن يناقض الواقع.

• أيضا تعددت مستويات اللغة في الرواية بشكل لافت.. فماذا عن ذلك؟
- اللغة في الرواية هي عالم كبير جدًا، فأنا دائمًا ما أؤكد أن الروائي لديه لغات عدة، وليست لغة واحدة، فاللغة لا بد أن تتناسب مع كثافة الحالة وموضوع الرواية وبطلها، فمثلًا عندما يتحدث الراوي يجب أن تختلف عن حديث البطل، ففي "ما رآه سامي يعقوب" نجد بها سمات طفولية لبطل يعيش الحياة كحلم، وبها تكرار في اللغة المحكية لا يستخدمه سوى الأطفال، ولا يلجأ إليه الكاتب بشكل مجاني، ولكنها لغة طفل؛ فـ"سامي يعقوب" كان له شكل طفولي، لذا كان لا بد وأن أضع كلامًا يناسبه على لسانه، ولكن في روايتي "غرفة ترى النيل" كان البطل مريضًا، ففي أيام احتضاره بالمستشفى كان لابد أن يرد ردودًا مقتضبة جدًا، ولكنها مشحونة بالمعنى ولديه سلام يشبه المسيح، فمن الضروري اختيار لغة تناسب حالة البطل المعنوية والنفسية، ويتحدث بلسانه، فاللغة مع كل رواية تتولد معاها زي موضوعها.

• شهدت الأوساط الثقافية خلال الأيام الماضية الإعلان عن جائزة نوبل للآداب لعامي 2018 و2019.. كيف استقبلت خبر فوز الكاتب النمساوي بيتر هاندكه والكاتبة البولندية أولجا توكارتشوك؟
- "هاندكه" فنان وكاتب حساس جدًا ورواياته على مستوى عال من الإبداع، ولكنه شخص سيء بسبب تأييده للإبادة الجماعية التي كان يرتكبها الرئيس الصربي الأسبق سلوبودان ميلوشيفيتش، لذا كان هناك غضب من فوزه، ولكن إذا تمت مقارنته بالكاتب الألباني إسماعيل كاداريه، فأنا مع فوز "كاداريه" وأظن أن موقف جائزة نوبل منه "غير إنساني"، لأنه كاتب كبير جدًا ولوحوا باسمه طوال سنوات الحرب الباردة، ويبدوا أنهم انتهوا منه رغم أن أعماله تتخطى أعمال "هاندكه"، إضافة إلى أنه كان يكتب تحت ضغط في بلد قمعي هو "ألبانيا"؛ وذلك قبل انهيار المنظومة الاشتراكية، فكل تلك الأشياء كانت ترجح كفة "كاداريه" للفوز بنوبل بدلًا من "هاندكه".

أما فيما يتعلق بفوز البولندية أولجا توكارتشوك فليس من حق أحد أن يهاجم فوزها لعدم معرفته بها، فهي في الغالب كاتبة كبيرة، وأعتبر ذلك تقصيرًا من الثقافة العربية، فالجهل يجب ألا يكون سببًا للاضطهاد.

وفي النهاية أحب أن أقول إن الجوائز فن، ولكن لو الفنان غير أخلاقي، ولا أقصد هنا الحلال والحرام، ولكن بمعنى الاتفاق على القيم العليا التي اتفقت عليها البشرية، فمثلا ألا أكون مع قاتل، هذه قيمة عليا اتفقت عليها البشرية من زمان، وجائزة نوبل غير مبرأة، ومثلها مثل باقي الجوائز، فهي في النهاية ذائقة لمجموعة من النقاد، كما أنها أخطأت كثيرًا.


نتيجة بحث الصور عن هاندكه واولجا

• سبق وأن وصلت روايتك "يكفي أننا معًا" للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2018، فماذا مثَّل لك ذلك؟
- بالتأكيد، كنت سعيدًا بالوصول لتلك القائمة، لأن اللجنة من القراء المميزين المحترفين، اتفقت على أن تكون الرواية واحدة من أربعة روايات مرشحة للفوز، وهذا في حد ذاته شيء جيد، وأنا أرى أن الكاتب لا بد أن يعول على علاقته بنصه أكثر شيء، وتكون الجوائز كلمة شكر يتلقاها سعيدًا، أما إذا لم يتلقاها فكل شئ طيب أيضًا.




• ذكرت من قبل أن روايتك "يكفي أننا معًا" تختلف عن أعمالك الأخرى، فإلى أي مدى تختلف؟
- في رواياتي تجدين انشغالات الحب موجودة، ولكن في "يكفي أننا معًا" كان ذلك بشكل كثيف، وإن ظلت إلى جوارها انشغالات أخرى أساسية كالخوف من الزمن والشيخوخة، والموقف من حرية الإنسان، والدفاع عن حريته وحرية عقله وحواسه، فدائما ما تكون تلك الانشغالات موجودة، ولكن بتلك الرواية كانت تجربة في الحب والجمال، وبها تركيز شديد في حوار الشخصيتين على تاريخ الفن وجماليات العمارة، وتأملات في اللغة أيضًا، فداخل الرواية حديث عن الانشغالات الفنية أكثر من أي رواية أخرى.

• سأعود للوراء قليلا.. بالنسبة لأول رواياتك "مدينة اللذة" هل كنت قاصدًا أن تنتمى للروايات القصيرة قبل الانتهاء من كتابتها؟
- إطلاقًا، فالروائي لا يتحكم في طول الرواية، ولكن التجربة ذاتها هي التي تخلق طولها ونوع اللغة الخاصة بها، فأنا من المخلصين للكثافة في النص والروايات القصيرة، وليس لدي تفسير نقدي للروايات الطويلة، فكل كاتب مخلص لطريقته.. وأنا أرى أن الرواية القصيرة تميل للجملة الشعرية المكثفة، ولكن الأخرى الطويلة تكون الجملة بها أكثر طراوة، وبها مزيد من الفضفضة.

• وهل لهذا السبب خصها الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي آنذاك باستقبال كبير وكتابة مميزة؟
كتب الأبنودي؛ "بخفة الثعبان الذي يخاف ويخيف، يستعير القمحاوي لغة المدينة، ليواجهها بأساطيرها نازعا عنها عباءتها التي لا تستر عورة".. وكنت سعيدًا جدًا عندما كتب ذلك ونشره في الكتاب الذهبي الصادر عن روز اليوسف، فالأبنودي شاعر عامية بخيال فصيح، مثقف جدًا، ويظهر ذلك في كل كتاباته النثرية، وظهر في استقباله لـ"مدينة اللذة"، لأنها مدينة أسطورية، فضلًا عن إعجابه بخيالها واستخدام أساطير الشعوب كلها، فعلى الرغم من أنه نص صغير جدًا، إلا أنه يتناول الحضارة المصرية والهندية وملحمة جلجامش ومعبد عشتار، فهو كان سعيد سعادة حقيقية بالرواية وعبر عن ذلك كتابة.

• مع أم ضد مقولة "الصحافة مقبرة الأدباء"؟
الصحافة سلاح ذو حدين، فهي مفيدة جدًا للكاتب الذي لديه مشروع أدبي لا يستغنى عنه، فإذا كانت الكتابة بالنسبة له فعل وجودي كالجوع والنوم، فتعتبر مفيدة بالنسبة له، فهي تعلم التعبير عن الأشياء بأسهل الطرق وبشكل سريع، أما الصحافة تصبح مقبرة لمن يستنيم لشهرتها أو يحس أنها تعويض، فالكُتاب نوعين، أحدهما بمارس العمل لأنه لا يستطيع العيش بدونها وهي متعته، والآخر يريد الشهرة التي يجلبها من وراء الكتابة، وإذا جاءت له الفرصة من الصحافة تبتلعه، وتسطح من لغته الأدبية، أما إذا كان مشروعه الأدبي متوهجًا فالصحافة لا يمكنها الإضرار به.

• كيف ترى حركة الترجمة في مصر؟
- لدينا مشروع رائع يسمى "المركز القومي للترجمة" يعد من أفضال الدكتور جابر عصفور على الثقافة المصرية، فهو أيضا الذي رفع سعر الترجمة وجعلها عملًا منتجًا، لأن المدرسة المصرية للترجمة كانت قد أوشكت على الموت؛ فالسلاسل العامة كانت تدفع 700 جنيه تقريبا مكافأة للمؤلف أو المبدع مقابل نشر عمله، الكتاب، إنما الترجمة مهنة يتعايش منها صاحبها، فرفع سعر الترجمة كان أمرًا جيدًا جدًا.

فأنا أرى أنه ينبغي تدخل الدولة في الترجمة، بمعنى أن يظل المركز قائمًا يختار الأعمال ويدعمها ويترك لناشر خاص تنفيذها، لأن المجلس ينفذ دررًا ثقافية وأعمال قد يكون مستواها قليل، لكن أيضًا ينفذ أعمال جيدة جدًا، ولكن به صعوبات في التسويق، فعندما كنت مدير قطاع الثقافة في "أخبار اليوم" دخلت في محاولات تعامل معهم، فهم مقيدون بلوائح ولا يستطيعون إعطاء الموزع على سبيل الأمانة كالناشر الخاص، الذي يتصرف في ماله، على عكس المسئول عن التسويق في المجلس.

• وماذا عن تجربة ترجمة أعمالك للغات الإنجليزية والإيطالية والصينية؟
- بالتأكيد كانت تجربة جيدة، خصوصا أن كل أعمالي تم اختيارها من الخارج من قبل مترجمين ودور نشر أجنبية، وليس من قبل ترشيح جهات من مصر.

• ما رأيك في ظاهرة "البيست سيلر" وهل تعتمد عليها في اختيار قراءاتك؟
- أراها ظاهرة صحية وجزء من الحياة الثقافية، والواقع الأدبي لا ينكرها ولا يجب أن ينكرها، وهي مرحلة لتصاعد القارئ، ففي كل ثقافة حية هناك كتب خفيفة سهلة الهضم يقرأها شريحة كبيرة من القراء. وأنا لا أكتب هذا النوع من الأدب، ولكن لا أنزعج منه، كما لا أعتمد عليها في قراءاتي، فلدي مشروعات قراءة لا ترتبط بالجديد دائمًا.

• هل تقرأ للكتاب الشباب أم لا؟
نعم، أقرأ للجميع، وأرى أن ظروفهم أصعب رغم إجادتهم، وأي كاتب ظهر في السنوات الماضية بدايته تعتبر أكثر فنية من بدايات نجيب محفوظ، لكن الزمن لم يعد زمن الفرد والنجم، فقديما كان عدد الكتاب محدودًا وبالتحديد قبل جيل الستينيات، وكان وقت صدور الكتاب يعد حدثًا، ولكن الآن أرى أن الشباب مظلوم بسبب زيادة عددهم، وعدم زيادة عدد القراء.

• ما آخر عمل قرأته؟
- أعيد حاليًا قراءة أعمال الأديب الراحل نجيب محفوظ، بالتوازي مع أعمال أخرى، وبدأت في رواية "طعم النوم" للكاتب طارق إمام، وسعيد بها حتى الآن، فإمام لديه خيال جامح، والعالم في روايته به غرائبية، وانسجام وجملة حلوة.

• هل تقتنع بوجود فجوة بين الكتاب الشباب والجيل الكبير؟
لا أظن ذلك، فأرى أن الفجوة كانت موجودة من قبل بشكل أكبر، فالعالم الرقمي أو الافتراضي سهل وكسر عزلة الأجيال وكسر هيبة البوابات الرسمية للوصول للكاتب.

• هل غيرتك القاهرة وألقت بظلالها على كتاباتك؟
- القاهرة مدينة كبيرة، تخلق إيقاعًا في الكتابة، لكن أنا بعد كل هذا العمر إيقاعي ريفي، بحب الكسل جدا، وعلى استعداد للمكوث في البيت شهورا دون الشعور بشيء ينقصني، وجيدا أن تكون القاهرة في الخلفية فهي بمثابة إيقاع للكتابة بصلة مع الحياة وحياة النشر.

• كيف ترى المشهد الثقافي في العالم العربي حاليًا؟
- نحن نمر بفترة سيولة وحالة غير مرتبة بالمرة، وذلك كان له تأثيرا على الواقع الثقافي.