الجمعة 06 ديسمبر 2019 الموافق 09 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

الشيخ حسن مأمون.. الفقيه المستنير ذو البصيرة الملهمة

الجمعة 15/نوفمبر/2019 - 07:36 م
طباعة

وُلد حسن مأمون فى١٣ يونيه ١٨٩٤م بحى الخليفة بالقاهرة، وكان والده الشيخ مصطفى مأمون إمامًا لمسجد الفتح بقصر عابدين وكان إمام هذا المسجد يُعدُّ إمامًا للملك، وقد عُنى بتربية نجله منذ صغره التربية الدينية القويمة، فحفظ القرآن وجوَّده، ثم التحق بالأزهر الشريف، ولما أنهى دراسته اتِّجه إلى مدرسة القضاء الشرعى وتخرج فيها عام ١٩١٨م. وكان إلى جانب إتقانه للغة العربية كان مُلمًّا أيضًا باللغة الفرنسية، فجمع بذلك بين الثقافتين العربية والفرنسية.
عُيِّن مُوظفًا قضائيًّا بمحكمة الزقازيق الشرعية فى ٤ أكتوبر سنة ١٩١٩م، وفى أول يوليو سنة ١٩٢٠م نُقِلَ إلى محكمة القاهرة الشرعية، وفى ١٤ مارس سنة ١٩٢١م تمت ترقيته إلى قاضٍ من الدرجة الثانية، ونُقِلَ إلى محكمة طنطا الشرعية، وفى ١٨ نوفمبر سنة ١٩٢٩م نقل إلى محكمة مصر الشرعية، ثم تمت ترقيته إلى قاضٍ من الدرجة الأولى فى نفس هذا الشهر، ثم رُقى إلى منصب قاضٍ عام فى أول فبراير ١٩٣٩م، وكانت شهرته العلمية وفضائله الخلقية ومعارفه الفقهية كفيلة للفت الأنظار إليه، ولذا فإنه ظل يترقى فى القضاء الشرعى حتى صدر مرسوم ملكى بتعيينه قاضيًا لقضاة السودان فى ٣ من يناير سنة ١٩٤١م.
وقد أمضى فى منصبه هذا قرابة ٦ سنوات قام بواجبه فيها خير قيام. ثم عاد إلى القاهرة، حيث تم تعيينه رئيسًا لمحكمة القاهرة الشرعية الابتدائية وذلك فى ١٧ فبراير ١٩٤٧م، ثم ترقى ليكون عضوًا فى المحكمة الشرعية العليا فى ١٨ ديسمبر ١٩٤٧م، ثم أصبح نائبًا لها فى ١٣ مايو ١٩٥١م، ثم عُيِّن رئيسًا للمحكمة الشرعية العليا فى ٢٦ فبراير ١٩٥٢م. ولما قربت سن إحالته للمعاش قام مجلس الوزراء بمد عمله سنة أخرى بناءً على طلب وزير العدل وذلك للحاجة الماسة إلى كفاءة فضيلته وفى ١٦ فبراير ١٩٥٥م اقترح وزير العدل على مجلس الوزراء إسناد منصب المفتى إلى فضيلة الشيخ «حسن مأمون» للانتفاع بعلمه الغزير وكفاءته الممتازة وواسع خبرته، فوافق مجلس الوزراء على تعيين فضيلته مفتيًا للديار المصرية اعتبارًا من أول مارس ١٩٥٥م وظل فى هذا المنصب حتى ٢٦ يوليو ١٩٦٤م، حيث صدر القرار الجمهورى رقم ٢٤٤٤ لسنة ١٩٦٤م بتعيين فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ حسن مأمون شيخًا للأزهر ليكون الشيخ التاسع والثلاثين فى تعداد شيوخ الأزهر.
أصدر فضيلته خلال فترة توليه منصب الإفتاء حوالى ١٢٣١١ فتوى مسجلة بسجلات دار الإفتاء، وأثناء توليه مشيخة الأزهر ذلَّلَ الكثير من العقبات التى كانت تعترض الأزهر، ومع المناصب العليا التى شغلها فضيلته فإنه كان حريصًا على إلقاء الدروس على طلبة قسم القضاء بكلية الشريعة. كما ظل رئيسًا لمجلس إدارة مسجد الإمام الشافعي، وظل الشيخ يباشر عمله فى مشيخة الأزهر حتى عاودته الأمراض، وأحس المسئولون حاجته إلى الراحة فاستجابوا لرغبته فى التقاعد؛ حيث تفرغ فضيلته للراحة والعبادة والعلاج، وإن كان لم يتوقف عن البحث والدراسة والتدوين، كما ظل يواصل الإشراف على الهيئة العلمية القائمة على تصنيف الموسوعة الفقهية الكبرى التى يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. وللإمام فضل كبير فى تنظيم هذه الموسوعة، وكتابة ومراجعة بعض موادها الفقهية. وكان الإمام حسن مأمون يجد لذة كبرى فى الدراسات الفقهية تنسيه ما يقاسيه من أمراض وآلام.
خلال توليه منصب شيخ الأزهر، وقف «مأمون»، فى وجه القيادى الإخوانى «سيد قطب»، بسبب كتابه «معالم فى الطريق»، وأصدر بتكليف منه، عضو جماعة كبار العلماء بالأزهر، محمد عبداللطيف، تقريرًا للرد على ما جاء فى كتاب «سيد قطب»، من ضمن ما جاء فيه: «المؤلِّف ينكر وجود أمة إسلامية منذ قرون كثيرة. ومعنى هذا أن عهود الإسلام الزاهرة، وأئمة الإسلام، وأعلام العلم فى الدين، والتفسير، والحديث، والتفقه، وعموم الاجتهاد فى آفاق العالم الإسلامى، معنى هذا: أنهم جميعـًا كانوا فى جاهلية، وليسوا من الإسلام فى شىء، حتى يجىء إلى الدنيا سيد قطب. إن كلمة ولا حاكمية إلا لله، كلمة قالها الخوارج قديمـًا، وهى وسيلتهم إلى ما كان منهم فى عهد الإمام على، من تشقيق الجماعة الإسلامية، وتفريق الصفوف، وهى الكلمة التى قال عنها الإمام على: «إنها كلمة حق أريد بها باطل»، فالمؤلف يدعو مرّة إلى بعث جديد فى الرقعة الإسلامية، ثم يتوسع فيجعلها دعوة فى الدنيا كلها، وهو دعوة على يد الطليعة التى ينشدها، والتى وضع كتابه هذا ليرشد بمعالمه هذه الطليعة، وليس أغرب من هذه النزعة الخيالية، وهى نزعة تخريـبيـة، يسميها: طريق الإسلام، والإسلام كما هو اسمه ومسمّاه يأبى الفتنة ولو فى أبسط صورة».
كما أصدر الأزهر فى عهده بيانًا، يعلن فيه وقوفه ضد جماعة الإخوان المسلمين، فى الأحداث المعروفة بـ«مؤامرة ١٩٦٥»، التى اتهم فيها المئات بمحاولة إحياء التنظيم الخاص، والتخطيط لاغتيال جمال عبدالناصر، وكان نص الاتهام حسب أوراق القضية: «المتهمون فى الفترة من سنة ١٩٥٩ حتى آخر سبتمبر ١٩٦٥ بالجمهورية العربية المتحدة وبالخارج حاولوا تغيير دستور الدولة وشكل الحكومة فيها بالقوة، بأن ألفوا من بينهم وآخرون تجمعًا حركيًا وتنظيمًا سريًا مسلحًا لحزب الإخوان المسلمين المنحل يهدف إلى تغيير نظام الحكم القائم بالقوة، باغتيال السيد رئيس الجمهورية والقائمين على الحكم فى البلاد وتخريب المنشآت العامة وإثارة الفتنة فى البلاد». وأيّد «مأمون» اعتقال المئات من قيادات وأعضاء الإخوان، ومحاكمتهم عسكريًا، وقال بيان الأزهر: «أعداء الإسلام حين عز عليهم الوقوف أمامه حاولوا حرب الإسلام باسم الإسلام، فاصطنعوا الأغرار من دهماء المسلمين، ونفخوا فى صغار الأحلام بغرور القول، ومعسول الأمل، وألفوا لهم مسرحيات يخرجها الكفر لتمثيل الإيمان، وأمدوهم بإمكانيات الفتك، وأدوات التدمير، ولكن الله قد لطف بمصر، وغار على الإسلام أن يرتكب الإجرام باسمه، فأمكن منهم، وهتك سترهم، وكشف سرهم، ليظل الإسلام أكرم من أن يُتاجَر به، وأشف من أن يستتر فيه، وأجمل من أن يشوه بخسة غيلة».
من مؤلفاته: الفتاوى، وقد أصدر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الجزء الأول منها وطبعته دار التحرير بالقاهرة سنة ١٩٦٩م، دراسات وأبحاث فقهية متنوعة نشرها الإمام أو راجعها فى الموسوعة الفقهية الكبرى التى يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة، السيرة العطرة: وهى سلسلة أبحاث كتبها الإمام وأذاعها وهى مكتوبة على الآلة الكاتبة.
كان فقيهًا مستنيرًا، قضى معظم حياته الوظيفية قاضيًا يستعرض أدلة الفقهاء فى المذاهب الفقهية المختلفة، وكان ذا بصيرة ملهمة فى فقه النصوص الشرعية والإلمام بمقاصد التشريع ومعرفة أنماط الفتوى وأسباب تنوعها.
وفى ١٩ مايو ١٩٧٣م انتقل فضيلة الشيخ حسن مأمون إلى رحمة الله تعالى بعد حياة حافلة بجلائل الأعمال.