الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

الحياة صنيعة الصدفة.. هذا ما آمن به ألبير كامو حتى النهاية

الجمعة 08/نوفمبر/2019 - 07:23 م
جريدة الدستور
آلاء حسن
طباعة
"غلام موهوب في عائلة إسبانية متواضعة نزحت إلى الجزائر".. هكذا نشأ الكاتب الفرنسي ألبير كامو، وقضى طفولته بين الجبهتين في أوساط الفقراء والمهاجرين، ووجد من معلميه من العناية والتشجيع ما لم يجده في بيته، فما لبث أن شعر بنفسه غريبا في عائلة بدون أب، قليلة الأصدقاء، لا تفهمه ولا يتجاوب معها فكريا، مع أنه ظل يخص أفرادها بمودة عميق.

فبين أمه التي صمت من مرض في صباها فتعطل نطقها، وجدته الشديدة الحازمة، وخاله الذي كان لا يفارق كلبه، وأترابه في اللعب وفي المدرسة، قضى كامو طفولته وشبابه في فقر وتقشف أجبراه على العمل كلما سمحت الظروف له لذلك.

كان يعمل في العطل المدرسية بينما يسافر أقرانه إلى فرنسا للفسحة والاستجمام، لكنه وجد مع هذا مجالا يعيش فيه سعادة الأطفال باللهو والمرح والألعاب التي تفنن في اختراعها والصداقات الحميمة، والمغامرات، إذا كان في تلك الفترة من حياته يسبر نفسه ليتبينها وليتعرف شخصيته، وهو موزع بين الالتزامات، اللهو، وأحلام الشباب.

وفي مقال نشر بمجلة "فكر وفن" بعددها رقم 72 الصادر في مطلع يونيو لعام 2000، قال الكاتب هانس ريتر: "كانت الطبيعة في مظاهر قوتها وعظمتها تهز خيال كامو وتحرك أحاسيسه، فكان يهوى التجول في الهضاب الجرداء وفي الأجوان على البحر، ويحب المناظر الطبيعية المترامية وضوءها المتميز، وتلاطم أمواج البحر المائج على الشاطئ، والريح حين تتلاعب بالسحب، واستهوته المواقع الأثرية السابحة في هدوء وطمأنينة خارجين عن العالم اليومي، مثل الآثار الرومانية بمدينة تبسة التي لم ينسها طول حياته، إلى هذا كان يلح عليه التفكير في وضع الجزائر غير المستقر، المشحون بالخطر، وفي الفظائع التي شهدها والتي يتخيلها من أوبئة وهلاك فاش في صفوف المستوطنين من جزاء الوهن والكوليرا والملاريا، ثم هذه الروح الحربية التي لا تكاد تخفي في المجتمع بأكمله، وهذا الوجود الدائم للجنود المظليين في الشوارع، وهذا الجو العام الذي ينذر بالقمع ويهدد بالملاحقة، وكانت جدته تتفقد في كل مساء شبابيك الشقة لتتأكد من أن دفاتها السميكة مغلقة بإحكام، وهكذا خبر كامو بخطورة الليل والظلمة، وقرنهما منذ الطفولة بالأبواب المغلقة والخوف من الاعتداءات، وخبر بالتالي ضعف الكيان الإنساني وسرعة زواله".

مدح كثيرا بوصفه أديبا فرنسيا، أما "ما كرهوه فيه، فهو جانبه الجزائري"، وكامو، في الواقع، لم يكد يكون جزائريا ولا فرنسيا.. نعم، أبوه كان من فرنسا، قتل في معركة مارن، لكن ألبير لم يعرف أباه، وحتى أمه لا تكاد تذكر زوجها هذا الذي قتل في الحرب بعد زواجهما بمدة وجيزة: "رأى فرنسا ومات"، كما تقول العائلة.

أما أسرة أمه، فمن جزيرة مينورقى، لذا نشأ كامو في جو عائلي إسباني، الرجال يلبسون قبعات الصومبريرو وجدته تشد طيلة حياتها منديلا أسود حول رأسها على طريقة نساء مينورقة، وكان قد كتب كامو: "أخذت من الإسبان بساطتهم وحسهم ونشاطهم، ثم لا شيء آخر".

انطبعت أولى ذكرياته بهذه العائلة الإسبانية الفقيرة التي نزحت إلى الجزائر، وظل هو مخلصا لها ولم ينكرها عندما بلغ قمة الشهرة بحصوله على جائزة نوبل، وقد عرض لها أدبيا غير مرة في كتاباته.

ويرى كامو أن الحياة مبنية على المصادفات، وهي إلى ذلك سريعة الزوال، وقد بعد عن القوالب، ووجه دائما نظرته الشاملة والثاقبة إلى الإنسان، دون الوقوع في الاعتبارات السياسية والمراوغات الحزبية، ودون التقيد أيضا بالنظريات العلمية المصنوعة في المعاهد.
ads