الخميس 14 نوفمبر 2019 الموافق 17 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

"معركة المياه 6".. منفذو محطة المحسمة: تُحوِّل سيناء لجنّة خضراء

الأربعاء 06/نوفمبر/2019 - 10:13 م
جريدة الدستور
نادية عبدالبارى
طباعة
«مفيش ضرر مائى على مصر.. والعفى محدش ياكل لقمته».. جملة قالها الرئيس عبدالفتاح السيسى، خلال جلسة «اسأل الرئيس» على هامش فعاليات مؤتمر الشباب الذى عُقد فى ١٣ و١٤ سبتمبر الماضى، كان غرضها طمأنة المصريين بشأن رصيدهم المائى ومستقبلهم، وهى الطمأنة التى لم تكن بغير حساب أو ضربًا من الخيال، فهناك خطوات فعلية اتخذتها مصر بهذا الشأن.
فقد سبق حديث الرئيس ما أعلنته إدارة المياه بالهيئة الهندسية للقوات المسلحة عن بدء إنشاء ٥٦ محطة معالجة وتحلية للمياه بطاقة إجمالية ٣.١٤٥ مليار متر مكعب سنويًا، ومن بينها محطة «المحسمة».
بدأ التخطيط لمحطة «المحسمة» فى نهاية يونيو ٢٠١٨، ليكون ١٨ يناير من العام الحالى هو بداية تنفيذ المشروع الذى يهدف لتحويل مليون و٣٠٠ ألف متر مكعب يوميًا من مياه الصرف الزراعى إلى شرق قناة السويس، عبر سحارات «سرابيوم» التى تمر أسفل المجرى المائى لقناة السويس، لاستثمار هذه المياه فى رى واستصلاح ما يزيد على ٥٠ ألف فدان من أراضى شرق القناة، ما يساهم فى زيادة مساحة الرقعة الزراعية فى سيناء، وتقام المحطة على مساحة إجمالية تقدر بـ١٥٠ فدانًا.
ومن المقرر أن يجرى افتتاح المشروع خلال أسابيع وقبل نهاية العام الجارى، وبهذه المناسبة التقت «الدستور» عددًا من المهندسين والعمال الذين كان لهم الفضل فى إنجاز المشروع.

محمود السيد: عائلتى قدمت شهيدين.. ولم أخبر والدتى بمكان عملى

«عقول المصريين وعزيمتهم لا تعرف الهزيمة أو الاستسلام».. هكذا علق محمود السيد، ابن محافظة الإسكندرية، على ما شارك فيه وكان شاهدًا عليه فى المشروع، حيث أثبت للجميع أن الشهادات الجامعية ليست الطريق للتوظيف، فها هو الحاصل على دبلوم التجارة يثبت جدارته بلقب خبير ماكينات الرى، التى تعلم أسرارها وفنونها فى ورش الصيانة ثم المصانع وصولًا لمحطات المعالجة والتحلية، ليتولى الإشراف على تشغيلها ضمن المشروع. رفض أهله أن يعمل فى سيناء بسبب وجود بعض المخاطر الأمنية، وكذلك استشهاد اثنين من أفراد عائلته فى سيناء أثناء تأدية الواجب العسكرى، لذا آثر العمل فى «المحسمة» دون علمهم، خاصة والدته السبعينة، خوفًا على صحتها.
يقول: «كنت أفوّت حضور بعض الأحداث والمناسبات العائلية المهمة مثل وفاة عمى، ولم أكن أستطيع أن أخبر أهلى بالسبب الحقيقى لغيابى، لذا كانوا ينعتونى بصفات سيئة، لكن شعورى أننى أساهم فى مشروع يعيد الحق للشهداء ويرضى أرواحهم الطاهرة عبر تحويل سيناء إلى جنة خضراء كان أكبر تعزية لى.. كنت بأشعر بأننى جندى يؤدى الخدمة العسكرية».

مروة:
أسرتى غيَّرت رأيها فى وظيفتى بعد تكريمى
المهندسة مروة حسن، مسئولة توريد الاحتياجات الخاصة بالكهرباء والميكانيكا، هى الشخص الوحيد المخول له اعتماد أى أمور مالية تخص متطلبات المهندسين أو العمال، الأمر الذى حتم عليها زيارة الموقع ثلاثة أيام كل أسبوع، للتأكد من وضع النفقات فى مكانها الصحيح دون هدرها.
«مروة» صاحبة الـ٤٠ عامًا، متزوجة ولديها ثلاثة أبناء فى أعمار صغيرة، لذا كان سفرها لسيناء قادمة من القاهرة عدة مرات فى الأسبوع يتعارض مع واجباتها الأسرية، وتسبب هذا فى نشوب خلاف دائم مع زوجها، خاصة بسبب تعرضها للتفتيش الذاتى والسفر لساعات طويلة. فى إحدة المرات طلبت منها ابنتها الكبرى فى ليلة امتحان ألا تسافر وأن تبقى معها لتعينها على المذاكرة، لذا سهرت معها الليلة كاملة دون نوم، ثم وصلت اليوم السابق بالتالى وسافرت لأداء واجبها.
تقول: «أثناء عمليات القوات المسلحة الخاصة بالعملية الشاملة كانت ذروة المراحل الهامة للإنشاء، لذا كنت أقنع زوجى بوجود تأمين كبير لمحيط المشروع».
وتضيف أن أسرتها لم تعترف بأهمية دورها إلا عند حصولها على تكريم من إدارة شركتها نظير مساهمتها فى المشروع.

الصول على: حققت حلم حياتى بزيارة «أرض الفيروز» والمشاركة فى تطويرها


تتطلب المشروعات التنموية التى تجرى على أرض سيناء بعض التسهيلات والتصريحات الأمنية لحماية العمالة من أى خطر فى المقام الأول، الأمر ينطبق على «المحسمة»، خاصة أنها كانت تحتاج لحديد تسليح بكميات خاصة وخرسانة تعد مركزيًا بشكل يومى بمواد تُصنع خصيصًا فى أسيوط تستلزم عبور المعديات والخروج من مداخل القناة. فى هذا المشروع هناك كلمة سر استخدمها العمال لتسهيل الأمور الأمنية.. «الصول على»، أو كما يطلق عليه «الدينامو». يعمل الصول على، ٣٩ عامًا، سائقًا على حافلة لنقل العمال من أماكن المبيت لموقع العمل والعكس، لكن وبعد فترة لاحظ القائمون على المشروع وجود ثقة كبيرة بينه وبين نقاط التفتيش والأكمنة بسبب خلفيته العسكرية.
يقول «على»: «كنت صف ضابط بدرجة صول فى القوات المسلحة، وفى إحدى تظاهرات الإخوان أصبت بعيار نارى فى قدمى تسبب فى خروجى من الخدمة، بعدها حصلت على تعويض واشتريت سيارتى، التى أستخدمها فى نقل العمال، وبسبب خدمتى معظم سنوات عملى بالجيش داخل الكلية الحربية كونت صداقات وعلاقات طيبة مع كثير من طلاب الدفعات المختلفة، الذين أصبحوا الآن ضباطًا يخدمون فى جميع أرجاء مصر، مما سهل مهمة عملى».
ورغم انتسابه للجيش إلا أنه لم يزر سيناء قبل عمله بالمشروع، ولطالما حلم بذلك خاصة بعد أن علم أن المصريين لم يتمكنوا لسنوات عديدة من استغلال جميع أراضى سيناء بسبب بعض بنود معاهدة السلام، وفكرة تجوله فى أرض الفيروز الآن بأريحية تشعره بأهمية محطة المحسمة.
وبسبب الثقة بينه وبين نقاط التفتيش والأكمنة فوضته إدارة المشروع لإنهاء جميع الإجراءات الأمنية، وبسبب هذه المهمة أصبح ملزمًا بالبقاء داخل المشروع معظم أيام السنة، ونادرًا ما يحصل على يوم للراحة يستغله فى زيارة أسرته فى منيا القمح بمحافظة الشرقية، لأن هاتفه لا يتوقف عن الرنين بسبب استدعاء العمال له، خاصة إذا كانوا يرغبون فى العبور بين الشرق والغرب لظروف طارئة، لذا طيلة العام لم يحصل على أكثر من ٢٠ يومًا راحة.

فهمى:زيادة 40% فى البدلات والأجور.. وكسر «وحشة الصحراء» بموائد الإفطار الجماعى

يذكر المهندس وليد فهمى، مدير المشروع، أن استعداداته الأولية لبدء العمل تضمنت زيارات ميدانية للموقع لتجهيز الرسومات الخاصة بالمحطة، لكن ضمانة حصول جميع العمالة والمهندسين على تصريحات أمنية تُسهل خروجهم ودخولهم منطقة شرق القناة ذات الطبيعة الأمنية واللوجستية الحساسة كانت أولوية أيضًا، لا سيما أن المحطة احتاجت نحو ١٥٠٠ من القوى البشرية.
«فهمى»، صاحب الخبرة الطويلة فى مجال الإنشاءات الهندسية التى تصل لـ٢٦ عامًا، اعتبر محطة المحسمة من المشروعات التى تستحق كتابتها فى سجل إنجازاته بحروف من ذهب، ورغم أنه يتمتع بأعلى سلطة فى المشروع تسمح له بالحصول على إجازات، خاصة بعد الانتهاء من المراحل التأسيسية، إلا أنه كان يؤثر البقاء داخل الموقع، وإلى الآن يصر على ذلك، فيعود صاحب الـ٤٨ عامًا لمنزله بمحافظة المنوفية ٤ أيام كل شهر تقريبًا وأحيانًا يلغى إجازته إذا اقتضت ظروف العمل ذلك، حيث يعمل العمال ٢٤ ساعة من خلال ٣ مناوبات. يقول: «لتوفير جو أسرى وكسر وحشة الصحراء تكفلت الشركات المسئولة عن المشروع بعمل موائد إفطار جماعية فى رمضان»، مشيرًا إلى أن «تعويض العمال عن وجودهم فى مكان حساس مثل سيناء لم يكن معنويًا فقط، فكانوا يتقاضون بدلات وأجورًا تفوق ٤٠٪ ما يحصلون عليه فى العادة، علاوة على توفير مقصف ومخيمات خاصة براحتهم بالقرب من الموقع، خلاف أماكن المبيت فى الإسماعيلية».


صلاح: لم ألازم أمى خلال مرضها وعدت سريعًا بعد وفاتها ودفنها
من الوارد أن يتعرض الإنسان لظروف قهرية فى أى مكان، لكن إذا تعرض لها من يعمل فى «المحسمة» فإن السوء يكون مضاعفًا، وهو ما مر به المهندس مصطفى صلاح، المسئول عن الخرسانات، صاحب الـ٣٩ سنة، الذى ابتعد عن أسرته ولازم ماكينات الحفر والصب منذ اللحظات الأولى، ولأهمية دوره انقطع عن زيارة أسرته تمامًا، حتى علم بإصابة والدته بمرض خطير، وعندما زارها للاطمئنان عليها قضى معها بضعة أيام فقط، لكن الموت فاجأه وخطفها منه.
يذكر «صلاح» أن عددًا من زملائه زاروه لتأدية واجب العزاء فى القاهرة، لكن بسبب التزامه تجاه المشروع عاد معهم، خاصة بعد أن علم أن بعض الأعمال تأثرت بسبب غيابه، ووجد أن تواصله مع العمال عبر الهاتف لم يكن كافيًا.
وقال إن نجاح المراحل الأولى من المشروع حتى الحصول على جائزة أفضل مشروع بنية أساسية هو ما حفزه على المضى قدمًا والاستمرار فى العمل على حساب حياته الخاصة.


منار:
تحديت تقاليد الصعيد.. وزاملت الرجال لأثبت كفاءتى للجميع
المهندسة منار، ٢٩ عامًا، ابنة محافظة بنى سويف، هى المسئولة عن تجهيز مستلزمات البنية التحتية من أدوات سلامة مثل معدات الإطفاء والمبردات وغيرها.
تقول: «أصررت على تحدى عادات وتقاليد المجتمع الصعيدى لأعمل فى المحسمة لأن تخصصى لا يتوافر إلا فى المشروعات الكبرى، ورغم صغر سنى إلا أن أول مشروع ساهمت فى تنفيذه هو محطة كهرباء جنوب حلوان، ومشروعات أخرى لكننى أجد المحسمة التحدى الرئيسى، خاصة أن المشروع فى سيناء، الأرض التى لا يعمل بها إلا الرجال، فقررت التفوق على الجميع وإثبات جدارتى.. هذا هو الهدف الذى أفضل الوصول إليه بدلًا من الزواج وبناء الأسرة».
وتضيف: «الشركة التى أعمل من خلالها وفرت لى وسيلة مواصلات لنقلى من الموقع إلى المنزل والعكس، لكن كنت أرغب بشدة فى عدم مفارقة المشروع الذى يولد على يدى ويكبر يومًا بعد يوم، وكنت أصر على المبيت هناك وأقول لمديرى المباشر إنى اعتدت الاغتراب عن أسرتى أثناء فترة الدراسة، فالأمر ليس بجديد».
وتكمل: «الرحلة الممهدة للوصول للموقع لها أثر طيب فى نفسى، فيكفينى عبور قناة السويس والتجول داخل سيناء، التى لم أرها يومًا سوى على الشاشات، ولم أقرأ عنها سوى فى الكتب».
وتختتم: «حذر الرئيس السيسى من المشروعات التى يتم الإنفاق عليها ثم تُهجر بسبب سوء إدارتها، لذا أخذت الهيئة الهندسية هذا الأمر فى عين الاعتبار أثناء التعاقد مع شركة تصميم ماكينات المحطة، حيث تضمن العقد إلزامها بالتشغيل والصيانة ٥ سنوات بعد الافتتاح المرتقب نهاية العام».


سليمان:صممت على البقاء فى الموقع خلال الأعياد والعطلات الرسمية
المهندس فرج فرج سليمان، مدير تركيب وتشغيل المحطة، ابن مدينة الإسماعيلية، أخذ على عاتقه مهمة التواجد ليل نهار فى «المحسمة» للإشراف على جميع إجراءات ميكانيكا التركيب.
الأمر لم يكن بالنسبة لـ«فرج» مجرد وظيفة، فقد شارك سابقًا فى عدة مشروعات عالمية ومحلية خاصة بالمياه، لكنه اعتبر هذا المشروع جزءًا من أمانه وحفظ بقائه فى المحافظة التى ولد بها، لذا كان يفضل التواجد داخل الموقع على العودة لمنزله حتى فى العطلات الرسمية والأعياد.
يوضح «سليمان» أن الخسارة المادية التى تكبدها عدد من المزارعين نتيجة موت زراعاتهم، خاصة المثمر منها، جعلته يشعر بأن المدينة بالتدريج ستخلو من الأهالى مما يعرضها ليد المتطرفين والمتربصين بها، مستشهدًا بالمثل «الجنة من غير ناس ما تنداس»، ومن هنا كان يرى أهمية كبرى لهذا المشروع لما له من دور فى توفير المياه للزراعات.
ads