الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

البابا أغاثون التاسع والثلاثون والرعاية الأمينة

الثلاثاء 05/نوفمبر/2019 - 09:00 م
طباعة


يوجد فى الكنيسة القبطية كتاب يُسمى كتاب «السنكسار»، وهى كلمة أصلها اليونانى «سيناكساريون»، ومعناها جامع السير، والكتاب يضم أخبار الرسل والشهداء والقديسين والبطاركة، وتتم القراءة منه فى كل قداس بعد قراءة فصل من كتاب «أعمال الآباء الرسل»، الذى يحمل اسم «الأبركسيس»، وهى كلمة يونانية تعنى «أعمال أو كتابات الرسل»، وذلك لمنفعة كل من البطاركة والمطارنة والأساقفة والكهنة والرهبان والشمامسة وكل الشعب. ففى قراءته ينصت الكل باهتمام شديد لسماع كيف كان يسلك الآباء الأولون ويقتدون بسيرتهم. وفى الآونة الأخيرة عندما ازدهرت الطباعة فى مصر قامت مكتبة «المحبة»– بالقاهرة التى أسسها الأستاذ يونان نخلة الدويرى (١٨٩٨– ١٩٨٠)– بطباعة هذا الكتاب حتى يطالعه أفراد كل أسرة فى المنزل، وحاليًا الكتاب موجود تقريبًا فى كل منزل.
كلمة «أغاثو» Agathou أو «أغاثون» Agathon معناها «صالح»، وقد كان هذا الأب صالحًا فعلًا كاسمه، أمينًا جدًا فى رعايته لشعبه. نشأ أغاثون فى منطقة «مريوط»، الواقعة بغرب الإسكندرية، والتى تحتضن رفات القديس «مينا» العجائبى. كان محبًا لحياة الهدوء بقلب متفتح بوعى نحو الخدمة. وفى فترة حبرية البابا بنيامين الأول (٦٢٣– ٦٦٢م) البطريرك ٣٨، سيم أغاثون كاهنًا، فكان أمينًا فى الخدمة والخوف على الرعاية. وعندما اضطر البابا بنيامين ٣٨ إلى الاختفاء بسبب الضيق الذى عاناه من الملكيين، «كلمة (ملكى) مشتقة من السريانية (مالكو) أو (إمبراطورى). وهذا اللقب اُطلق لأول مرة فى عام ٤٦٠م فى مصر من قِبل أتباع الطبيعة الواحدة على الأرثوذكس، الذين انضموا إلى البطريرك (تيموثاؤس الثانى) المدعوم من الإمبراطور البيزنطى (لاون) الأول، وكان ضد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بل كان يضطهدها بإفراط». وحدث عند اختفاء البابا بنيامين أن تخفى الكاهن «أغاثون» فى زى نجار، يحمل أدوات النجارة نهارًا، ممارسًا أعمال الرعاية خفية، مشددًا الشعب على احتمال الضيق، ومقيمًا لهم الصلوات. ولما عاد البابا بنيامين من منفاه بعد دخول العرب مصر وسقوط الإمبراطورية البيزنطية، وجلس على الكرسى المرقسى، أخبره الشعب بتفانى الكاهن أغاثون، ففرح البابا الجليل بهذا الكاهن الأمين واتخذه سكرتيرًا خاصًا له، فكان الإنسان التقى الأمين فى خدمته لكنيسته ورعايته لشعبه. كما جدد ما هدمه «هرقل» وأتباعه من مجمع الخلقيدونيين وهو «أبروطاريوس»، وأعاد هذا البابا الجليل بناء الكنائس.
وعندما انتقل البابا بنيامين إلى الأمجاد السماوية حدث أن الشعب القبطى المحب لله أخذوا القس أغاثون، وهنا يذكر المؤرخ ساويرس ابن المقفع فى كتابه الشهير «تاريخ البطاركة» فقال: «وأجلسوه بطريركًا، لأنهم وجدوا أن هناك اتفاقًا بين اسمه أى معنى اسمه وأفعاله»، وكان تاريخ سيامته فى ١٤ طوبة ٣٧٨ للشهداء الموافق ٩ يناير ٦٦٢ ميلادية. وحينما تسلم مهام الرعاية باستحقاق وجد عددًا وفيرًا من الأسرى الروم والإيطاليين فى مصر، وخشى أن يسببوا متاعب لشعبه إن هم أخَلُّوا بالأمن، كما خشى أن ينكروا مسيحيتهم، فابتاع منهم الرجال والنساء بالفضة والذهب وأتى بهم إلى بيوت المسيحيين المؤمنين، وأقام الأساقفة فى أنحاء مصر ليردوا الخراف الضالة التى أضلها الشيطان.
ومن أجل طهارة قلب هذا البطريرك وكثرة فضائله وامتلائه بالنعمة، أوقع به الشيطان تعبًا عظيمًا. فقد حدث أن تولى فى تلك الأيام أمر الإسكندرية إنسان شرير مُحب للسلطة يُدعى «تاوضروس» من الروم، وكان رئيسًا فى كنيسة الروم الخلقيدونيين وكان مقاومًا للأقباط الأرثوذكس. فذهب إلى دمشق وقابل خليفة المسلمين «يزيد بن معاوية» الأموى والى العرب على دمشق، ودفع له مالًا كثيرًا، وأخذ منه أمرًا يحكم به شعب الإسكندرية ومريوط وكل المدن التى تتبعها، ولا يكون لحاكم مصر حكم عليه، وعاد وتآمر على البابا أغاثون وأقلقه وطلب منه مالًا ووضع عليه غرامة مالية وأخذ منه ٣٦ دينارًا جزية كل سنة عن تلاميذه! وليس هذا فقط، بل كان على البابا أن ينفق على بحارة أسطول مصر. ومن شدة قسوة وبغضة «تاوضروس» للبابا أنه منع البابا من الخروج من قلايته لأجل إيمان البابا الأرثوذكسى المستقيم، وأصدر هذا الشخص الشرير أمرًا قال فيه: «إن من رأى البابا أغاثون يخرج ليلًا أو نهارًا فليرجمه بالحجارة ويقتله وأنا سأجاوب عمن يسأل عن قتله» وكان يعتقد أنه عندما يقتل أحد البابا القبطى سيجلس على كرسى البابا القبطى بدلًا منه، ولم يتمكن البابا بالخروج من باب قلايته، وظل البابا فى داخل قلايته ولم يغادرها أيام ذلك المتسلط المنافق. ومن خلال قلايته البسيطة– وليس المقر البابوى الفخم– أدار الكنيسة بحكمة شديدة وبصلوات كثيرة، وكان الرب يسمع له لأمانته وصدقه فى محبته لله، بل صار نموذجًا حسنًا أمام الشعب كله. ويقول المؤرخ الأسقف الأنبا إيسيذورس: «لكن عاجل تاوضروس الملكى الخلقيدونى الموت، وقيل إنه مرض بداء الاستسقاء، وصار يأكل كل يوم ١٢ رطلًا من الخبز و٢٤ رطل لحم ورطلين من التين ويشرب زقاق نبيذ من مريوط فلا يشبع». ثم ظهر بعد ذلك راهب من دير القديس أنبا مقار نقى القلب عارف ومتمكن من العلوم الكنسية المسيحية والدنيوية– كما هى عادة رهبان هذا الدير فى كل زمان– اسمه «يوحنا» من أهل سمنود، وكان مريضًا وكان يُظن أنه لن يُشفى، وعندما شُفى من مرضه ذهب إلى أحد أديرة الفيوم ومعه تلميذاه واختفى هناك بين رهبانه، وفى حلم ظهر للبابا أغاثون من يقول له: «أرسل إلى يوحنا القس الذى هو من سمنود ليعينك ويساعدك، وهو الذى سيجلس على الكرسى من بعدك»، وأرسل البابا كهنة مع رسالته إلى أسقف الفيوم التى يطلب فيها أن يرسل إليه يوحنا، وكان أسقف الفيوم يحب يوحنا ويسترشد بآرائه الحكيمة، ولكنه لم يقدر أن يخالف طلب البابا– لأنه كان رجل الله– فأرسل إلى الدير فأخذوه إلى النيل ثم حملوه فى مركب وذهبوا به إلى الإسكندرية، ولما رآه البابا- لأنه كان حكيمًا جدًا- سلم له إدارة الكنيسة وجعل كل شىء تحت أمره فى الكنيسة والمدينة، وطلب بعض الأقباط من البابا أن يرسمه أسقفًا على الصعيد، وآخرون طلبوا رسامته على كراسى أخرى، ولكن الرب حفظه لوداعته، حيث إنه لا يجوز رسامة أى أسقف بل يجب أن يكون راهبًا ليستحق أسقفية الإسكندرية ويأخذ لقب بابا وبطريرك. وكان البابا أغاثون مهتمًا فى كل أيامه برسامة الكهنة الأتقياء المستحقين للكهنوت الخائفين من الرب والمحبين للناس. كبر البابا أغاثون فى السن ومرض ثم تنيح بسلام بعد أن أقام على الكرسى المرقسى ١٨ سنة و٩ أشهر و٣ أيام، وتنيح فى ١٦ بابة ٣٩٧ للشهداء، الموافق ١٣ أكتوبر ٦٨٠ ميلادية «هذا العام كان يوافق الأحد ٢٧ أكتوبر ٢٠١٩، وبينما كنت أجلس فى الكنيسة مستمعًا لسيرته العطرة، استرعى انتباهى تخفيه فى زى نجار بسيط لخدمة شعبه، ولم تكن له منتجعات سياحية، بل عاش فقيرًا، وقد عانى من اضطهادات عدة، ورحل غنيًا بأعماله الرعوية الصادقة»، ودُفن جسده بجوار مُعلمه البابا بنيامين ٣٨ بالكنيسة المرقسية بالإسكندرية مقر الكرسى البابوى. وفى ٢٧ نوفمبر ٦٨٠ ميلادية «أى بعد نياحة البابا أغاثون بشهر واحد فقط»، تمت رسامة الراهب يوحنا السمنودى باسم البابا يؤانس الثانى ليكون البطريرك الأربعين، واهتم برعاية شعبه أحسن رعاية ليُكمل رسالة آبائه القديسين الأولين وتنيح فى ٢٧ نوفمبر ٦٨٩م «أى فى تذكار رسامته بطريركًا».
ads