الإثنين 17 فبراير 2020 الموافق 23 جمادى الثانية 1441

ثمة حنين لم يزل يتثاءب

السبت 02/نوفمبر/2019 - 07:46 م
جريدة الدستور
محمد صالح
طباعة

تقول العجائز فى زقاقنا:
ألقمناك الأثداء طازجة،
ثم زوجنا بناتنا للغرباء.
الآن عرفت لماذا لم أحب
بنت الجيران وإلى سابع جارة
ولم أكتب خطابات لهن
على الورق الملون
لقد صار على اليتيم أن
يتلقف الحنان الفائض
عن الحاجة
ومصمصة الشفاه
من النسوة اللاتى
يحتضن بناتهن.
الزقاق صار للغرباء
بينما صار الحنين
وسادة تحت رأسى
أرتبه كل مساء
قبل النوم
وأقاسمه الحلم والمنوم
والخطابات التى كنت أكتبها لنفسى
والدموع التى خبأتها بين صدرى
لعقود خمسة.
الهواء فى زقاقنا لم يعد
هو الهواء
والعجائز غادرن القطار
تباعًا
وحده الحنين
كان يتثاءب
غير بعيد
عند أول الزقاق.


ربما على ما يبدو
على ما يبدو يا الله أن ما ترسله
يلتقطه اللصوص قبل أن يقع فى يدىّ،
أعرف لصًا لا ينام الليل
قبل أن يطمئن إلى أن كفى قد نام خاويًا على الطوى،
ويسمع أنينه بأذنيه الكبيرتين كحمار.
العجيب فى الأمر أنك تعرف اللصوص واحدًا واحدًا
وتمهد لهم الطريق إلى خبزى اليابس
وجلبابىّ الدمّور
والحلم الذى أعلقه على شماعة بين ضلوعى
تدلهم على مخازن آلامى المكدسة بالخيبات
جنيات الشعر التى تزورنى ليلًا
والمرأة الوحيدة التى تذوب لى شوقها
فى فنجان القهوة
وتعصر لى قلبها فى رغيف.
أنا الآن لا أملك إلا الكلمات يا ربى
وأُرسلها إليك مصفوفة بعناية فائقة
كل مساء،
وأنا متكئ على وجعى،
وممدد على شعر جنيتى الكثيف كليل
أعيد ترتيبها عشرات المرات كى تليق بك
وأهمس بها حتى لا يسمعنى لص
فيقطع الطريق بينى وبينك
اللصوص فى زماننا يرتدون مسوح الرهبان
وقرون الشيطان
ويستعيرون أحيانًا وجه هذه المرأة
الطريق ما بينى وبينك ليست معبدة تمامًا
كما تحب، أو كما أشتهى
فأنا لم أزل أتعقب خطوات جارتى الجميلة
كلما صعدت الدرج أو هبطت
وأسترق السمع لتأوهاتها التى تأخذنى بعيدًا عنك
وما زلت أرتاد البار الرخيص
فى محاولات شتى لإخماد نيران عقلى المتأججة
لم أزل ألقى بالنكات البذيئة
عن الحكومات التى بينها وبين بطاقتى التموينية
ثأر بايت
عن الحمير والكلاب التى قررت الهجرة من بلادى
عن الموظف ابن الـ...... الذى يشترط أن أضمن أوراقى
شهادة موقعة من اثنين من أبناء السبيل
على أننى حىّ
عن الشيخ اللئيم الذى يسرق الجمل
ويحرم البيضة
عن.. عن..
أنا لا أجيد غير السخرية يا رب
حتى من نفسى عندما تنضب القريحة
أو يعجز الخيال
الحياة بطبيعتها يا رب ساخرة
تخرج لى لسانها كل ليلة كأفعى
وأكاد أخرج لها.......
لولا حيائى
أنت تعرف أن بضاعتى الوحيدة هى الكلام
وبضاعتى يتلفها الهوى غالبًا
على رأى عمنا محفوظ
فحل بينى وبين اللصوص الذين تعرفهم واحدًا واحدًا
فأنا فى العراء تمام
وشجرة التوت التى أمام دارنا
تساقطت كل أوراقها
فى هذا الربيع.