الإثنين 17 فبراير 2020 الموافق 23 جمادى الثانية 1441

عم آدم

السبت 02/نوفمبر/2019 - 07:43 م
جريدة الدستور
على حسن
طباعة


لم أعد قادرًا على رفع هذا الباب المعدنى أبدًا، لقد كبرت ولم يعد ظهرى يحتمل، كل يوم يرسل الله لى من يساعدنى فى رفع الباب وفتح دكانتى، ما بال هذا اليوم لا أحد يعبر من هذا الشارع؟!
كان عم آدم الحلاق أكثر فطنةً وبُعْدَ نظر، رفض أن يغير بابه الزجاجى ذا القوائم الخشبية، كان لى باب مثله، كم كنت أحمق، ولكن هناك فرقًا كبيرًا بين محل لبيع الساعات القيمة وبين صالون لحلاقة الرجال، لن يجد من يحاول سرقته غير كرسى أثرى مصنوع فى نهاية الأربعينيات، يجلس الزبون عليه ليقص شعره، ومرآة بلجيكية الصنع، ومذياع يحتاج إلى عشر دقائق حتى ينطق ولا يبث سوى إذاعة البى بى سى بلغتها العربية!
الحمد لله، ألمح من بعيد رجلًا قادمًا، إن الوقت ما زال مبكرًا حتى يبدأ المارة فى العبور بهذا الشارع، أغلبهم موظفون ومعلمون وطلاب، جميعهم يعبرون أمام المحل فى السابعة صباحًا.
اقترب الرجل وأصبحت قادرًا على رؤيته بوضوح، إنه عم آدم، لكن ما الذى أتى به فى هذا الوقت المبكر، خمسون عامًا من الجيرة، المحل بجوار المحل، لم يغير موعد فتح صالونه أو غلقه، يأتى فى التاسعة صباحًا وينصرف فى التاسعة مساءً!
أصابنى قدوم عم آدم على غير عادته بالقلق، إنه كالساعة فى الدقة والنظام، لذلك لم أعد قادرًا على الصبر حتى يصل إلىّ، توجهت إليه وقابلته فى منتصف الطريق:
- خير يا عم آدم، كفى الله الشر، فيه حاجة؟
- لا، لا يا حاج فتحى، اطمئن، أتيت فقط لرؤيتك.
- بس إنت عمرك ما عملتها!
- دعنا نكمل الطريق وسوف أخبرك حين نصل إلى المحل.
شعرت بأن عم آدم مجهد، كأنه لم ينم ليلته، فأخذت يده وجعلته يتأبط ذراعى ورجعنا إلى دكانتى.
ساعدنى عم آدم فى رفع بابى لأعلى وأكملت أنا رفعه بعصاةٍ أضعها خلف الباب مباشرةً، توجه هو إلى صالونه، فتحه وأدلف كى يمارس طقوسه، لم يغير من عاداته منذ استأجرنا المحلين معًا عام اثنين وخمسين، قبل ثورة يوليو بثلاثة أشهر بالتمام والكمال.
جلست على مقعدى الخشبى أمام الفاترينة، تضرب قلبى الهواجس حول جارى، صديق عمرى، أعمارنا واحدة وبرغم ذلك لا أقول له إلا عم آدم، فدائمًا يكسوه الوقار والهدوء منذ عرفته، كان شابًا فى العشرين من عمره، وها هو الآن يقترب مثلى من السبعين، لكنه لم يتغير ولم يفارق عاداته قط.
يفتح صالونه فى التاسعة صباحًا، وأول شىء يفعله يفتح المذياع، منذ أن اشتراه والمؤشر لم يفارق إذاعة لندن، يرتدى معطفه الأبيض النظيف فيبدو كأنه طبيب، يقوم بتلميع الموقد النحاسى بقطعة من القطن المبللة بالكحول الأحمر ثم يعيد ملء الموقد بهذا الكحول، يضع الماء على الموقد، ويبدأ فى تنظيف الأمواس والمقصات، يمسح المرايا وكل أدوات الحلاقة، قبل أن يبدأ فى كنس المحل، يقوم بنثر بعض الماء على الأرض بأصابع يده كى لا يثير الأتربة، حينئذ يكون الماء قد بدأ فى الغليان، يصنع كوبًا من الشاى، يضع عليه حبتين من القرنفل، ثم يحتسى الشاى وهو يستمع لنشرة أخبار التاسعة والنصف، يأتى أول زبون له فى العاشرة تمامًا، إذا تأخر الزبون عن موعده ربع الساعة ألغى الموعد، وحدد له موعدًا آخر، خمسة وأربعون دقيقة يقضيها فى حلاقة شعر الزبون، بين كل زبون وآخر نصف ساعة، يستريح فيها، ينظف أدوات الحلاقة ويعقمها.
هكذا تعلم عم آدم تلك الصنعة على يد الخواجة «مكارى» اليونانى الأصل، كان يعمل حلاقًا، لقد علمه النظام والوقار والابتسامة الراقية فى وجه زبائنه.
زبائنه رؤساء شركات، قضاة، كبار المحامين، جميعهم ذوو مناصب كبيرة فى البلد، لا يقبل زبونًا جديدًا إلا إذا رشحه أحد زبائنه، فيأتى ليتوسط له، يشترط على الجميع الالتزام بالمواعيد.
دخل عم آدم إلى المحل حاملًا فى يديه صينية من النحاس اللامع، لها بريق كالذهب، عليها قدحان من الشاى، تفوح رائحة القرنفل منهما، قال فى وداعة وابتسامته المعهودة تظهر من خلفها أسنان مستوية ناصعة البياض كأنها اللؤلؤ:
- صنعت لك كوبًا من الشاى ستظل تذكرنى به طوال عمرك المديد بإذن الله.
- يا خبر أبيض، أحضرت الشاى بنفسك يا عم آدم!
- نحن إخوة وعشرة عمر، هل تُفضل شرب الشاى عندك أم بالخارج أمام المحل؟
- أنت لم تجلس خارج المحل أبدًا يا عم آدم!
- يا سيدى، نكسر القواعد والنظام مرة فى العمر، هيا تعال.
حملت المقعدين إلى خارج المحل وتناولت كوب الشاى من يده، جلست أنا بينما دخل هو إلى صالونه ليضع الصينية بالداخل، ثم خرج مرتديًا معطفه الأبيض ويحمل كوب الشاى فى يده، الوجه الأبيض المشوب بالحمرة دائمًا كان اليوم باهتًا وشاحبًا!
وضع كوب الشاى على الأرض بجوار مقعده، جلس، رجع بظهره إلى الخلف، أسند رأسه على الجدار، أغمض عينيه، أخذ يمسح بكفيه على فخذيه بحركات دائرية، أطبق شفتيه بشدة، كأنه يحرص على أن يسجن الكلمات داخل فمه.
كان عم آدم طويل القامة، فالتفتُ إليه رافعًا رأسى، كى أستطيع أن أتفحص قسماته وأستشف ما يشعر به، كان الحزنُ يلقى بظلاله على وجهه فسألته:
- بالله عليك يا آدم ماذا بك يا أخى؟
تحدث إلىّ وهو ما زال يستند برأسه على الجدار خلفه ويغمض عينيه:
- الدكتور فخرى والدكتور رفيق.
- أولادك! خير بإذن الله! هل أصابهما مكروه لا قدر الله؟، أعرف أنهما هاجرا إلى كندا منذ سنوات!
- رفيق حضر منذ أسبوعين، جاء ليصحبنى معه إلى هناك، أنهى التأشيرة وإجراءات السفر، الليلة فى التاسعة مساءً سترحل الطائرة بنا!
- معقولة!
اعتدل فى جلسته، مسح على وجهه بكفيه، مر بهما على رأسه، يمسح شعره القصير شديد السواد قائلًا:
- كيف أخبرك بقدومه وأنا أعرف أنه لن يأتى ليسلم عليك! بل كيف أقول إنه يجبرنى على السفر وأن أترك كل شىء هنا وأرحل!
- طيب، حصل إيه؟
- خيرنى بين أمرين أحلاهما مر، العيش معهما هناك أو أن أموت هنا وحيدًا!
- معقول دا رفيق؟
- الدكتور رفيق منذ هاجر والتحق بأخيه فخرى، كان دائمًا ما يقول لى ليس لك شىء فى مصر بعد وفاة أُمنا كى تجلس من أجله!
- لك الصالون، لك أصحابك وحبايبك وناسك!
- لى بلدى يا أخى، لى شجرة التوت هذه، غرستها بقرب باب المحل، منذ عشرين عامًا وأنا أعتنى بها، أرويها كل صباح، لى كل تلك العصافير التى تزقزق على أغصانها وتطربنى كل يوم!
- يا عم آدم عيالك عايزين يطمنوا عليك ويراعوك.
- الدكتور رفيق لا يفهم أننى مزروع بهذا الصالون، يعتقد أننى حلاق فقط، منذ أن اشتد عوده لم يأتِ إلى هنا، لم يحضر يومًا كى أقص له شعره!
- إنت أعظم حلاق فى مصر يا عم آدم.
- أنا أصبحت من التحف النادرة، صرت طرازًا قديمًا ينتظر نقله إلى المتحف كى يطوف به الناس مشدوهين، يلتقطون بجواره الصور!
- ليه كده يا عم آدم؟ إنت بخير وقادر تشتغل، وحتسافر لعيالك وتشوف الدنيا؟
- دنيتى وجنتى هنا، أعرف مكان قبرى، أن أرقد بجوار زوجتى خير لى من الدنيا ومن أولادى.
بدأت عيناه تغرغر بالدموع، أشاح بوجهه بعيدًا عنى، وأخرج منديلًا من جيب معطفه ليكفكف به الدمع، ثم نهض متجهًا إلى داخل الصالون، تركنى فى عالم آخر، يعتصرنى الحزن عليه وعلى جيرته الطيبة.
لم أره يبكى إلا مرة واحدة، يوم أن توفيت زوجته، كان كطفل صغير فقد أُمه، وحينها، واحترامًا لمشاعره، تركته وأغلقت عليه باب صالونه، بينما خرجت أنا لا أستطيع أن أحبس الدمع من عينى، ما أشبه الليلة بالبارحة، ها أنا الآن أترك مقعدى وأسير خلفه لأغلق عليه باب صالونه ليختلى بنفسه!
دخلت دكانتى، طافت عيناى وهما تدمعان بكل ركن فى الدكان، كنت أسأل نفسى: على أى شىء أبكى؟
لقد فعل بى ابنى مثلما فعل رفيق بآدم، لقد رفض أن أستمر فى إصلاح الساعات، قال لى إنها صنعة لم تعد مطلوبة، وعلىّ أن أستريح ولا أجهد عينىّ بهذه المهنة التى انقرضت.
أخذ يبحث عن أحد ليشترى أدوات صنعتى، تلك الأدوات التى اشتريتها بكدى وعرقى، كنت أحرص عليها من الضياع والتلف حرصى على حياة أبنائى، وحين جاء من سيشترى أدوات صنعتى، وضعها فى صندوق كأنها قمامة يريد أن يتخلص منها، بكيت يومها كما لم أبكِ من قبل، تمامًا كما بكى آدم اليوم!
كنت أتحسر وأنا أراه يدفعنى تدريجيًّا للجلوس على باب المحل، لأقبع خارجه، أهش الذباب عن وجهى وأنشغل برد السلام على المارة، أتابع حركة ظلى على الأرض، أشاهده يسير ببطء حتى يرحل، يفارق جسدى ويغرب مع شمسى التى تغرب!
لذلك أحرص على القدوم مبكرًا، لأستمتع بالجلوس على مقعدى وبين جدران دكانتى، قبل أن يأتى حاملًا معه الصمت، بعد أن يقول «صباح الخير» على مضض، أخلى له المكان، تأكلنى خارج دكانته الوحدة ويمزقنى الصمت كالعادة.
أصبحت أنا الآخر من التحف النادرة، أنتظر من يرسلنى إلى المتحف يا عم آدم!
شعرت فجأة بأن رجلًا قد مر بجوار دكانتى متجهًا إلى صالون عم آدم، خشيت أن يدخل عليه فيراه وهو يبكى، خرجت كى أستوقفه، نسيت أن أجفف عينىّ من دموعها، فإذا به رفيق ابنه، يدخل عليه الصالون، دخلت خلفه، لمحت عم آدم مستلقيًا على كرسى الحلاقة، يداه تتدليان على جانبى المقعد، رأسه قد استقر على صدره الساكن كالحجر لا يتحرك!