الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأول 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.كريمة الحفناوى
د.كريمة الحفناوى

التحية لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية.. والفخر للسينما السودانية

الجمعة 01/نوفمبر/2019 - 08:29 م
طباعة


بداية أوجه التحية للقائمين والمؤسسين لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية برئاسة الأستاذ سيد فؤاد، ومجموعة من المتخصصين الفنانين والفنيين والإداريين والداعمين، وذلك لدعم وتشجيع الإنتاج السينمائى الإفريقى، وتدعيم الروابط الإنسانية بين شعوب إفريقيا وفنانيها ومثقفيها، هذا المهرجان الذى تأسس عام ٢٠١٢، ويعقد دورته السنوية كل عام فى مدينة الأقصر، التى يطلق عليها مدينة المائة باب، أو مدينة الشمس، وهى طيبة عاصمة مصر فى العصر الفرعونى، حيث تشهد آثارها الخالدة على حضارة مصر وعظمة أجدادنا.
يهتم المهرجان بعرض أفلامه فى القاهرة من خلال نادى السينما الإفريقية بمركز الإبداع بدار الأوبرا المصرية، وذلك بالتعاون مع صندوق التنمية الثقافية والهيئة العامة لقصور الثقافة، حيث يقدم لنا أفلامًا إفريقية مصحوبة بالترجمة العربية. نستطيع أن نطل من هذه النافذة على إبداعات القارة وشعوبها على اختلاف ثقافاتهم وموروثاتهم.
فى يوم الخميس ١٠ أكتوبر كنا على موعد مع عرض الفيلم السينمائى السودانى الروائى الطويل «ستموت فى العشرين» بعد توقف الإنتاج السينمائى فى السودان أكثر من عشرين عامًا، ومن الأخبار السعيدة أن هذا الفيلم حصد العديد من الجوائز فى المهرجانات السينمائية، ومنها الجائزة الكبرى فى مهرجان الجونة السينمائى، فى دورته الثالثة فى سبتمبر الماضى «نجمة الجونة الذهبية»، وحصد جائزة أسد المستقبل للعمل الأول فى مهرجان فينيسيا السينمائى الدولى، ويتم عرضه حاليًا فى عدة مهرجانات دولية فى مومباى بالهند وتورنتو بكندا. الفيلم إنتاج سودانى- مصرى- فرنسى- ألمانى، عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتب السودانى حمور زيادة.
للسودان مكانة خاصة فى قلب وعقل المصريين، يربطنا مع الشعب السودانى تاريخ ولغة ووجدان وشريان الحياة نهرالنيل، ما يمس السودان يمسنا، فالأمن القومى المصرى فى الجنوب يبدأ من السودان، ونأمل بعد نجاح ثورة الشعب السودانى، التى أسقطت النظام الفاسد الاستبدادى، أن يكون ذلك مقدمة لإسقاط التخلف الناتج عن الأفكار المتشددة المتطرفة التى تغلغلت فى بلداننا العربية، وكان لها الأثر السلبى على الفنون والإبداع، وساعدت على استمرار التمسك بعادات وتقاليد متخلفة، ومنها ذهاب أعداد كبيرة من البشر إلى من يطلقون عليهم المشايخ القادرين على حل المشاكل والمعضلات، أملًا فى الشفاء من أمراض مستعصية، أو بحثًا عن الإنجاب. يذهب البشر إلى هؤلاء «الدجالين» ويصدقونهم ويصدقون نبوءاتهم. رأينا ذلك فى بعض أفلام السينما المصرية ومنها قصة «الطوق والأسورة» للأديب العملاق يحيى الطاهر عبدالله، التى تناولت العادات الموروثة فى أقاصى صعيد مصر فى الميلاد والموت والمآتم والأفراح. وفيلم «عرق البلح» للمخرج رضوان الكاشف.
وإذا انتقلنا معًا لنرى الفيلم الرائع «ستموت فى العشرين» سنجد القصة تتناول حياة طفل تؤكد نبوءة أحد المشايخ «الذى تذهب له الأم لنيل البركة لمولودها» أن الطفل سيموت عندما يبلغ العشرين من عمره.
يولد «مزمل» فى قرية سودانية ملعونًا بنبوءة الدراويش التى تفيد بموته عندما يبلغ العشرين من عمره، تحيط به وتلفه نظرات الحزن والحسرة والشفقة من أمه والمحيطين به من أهل وجيران وأطفال صغار، فهو يكبر والموت معه. لم يتحمل أبوه هذه النبوءة المشئومة، فلقد عاش حياته وسط مآسٍ كثيرة، وقرر السفر بمعنى الهروب من تحمُّل مأساة ابنه ويعود الأب فى نهاية الفيلم عندما يبلغ ولده عامه العشرين.
يبدأ الشريط السينمائى للفيلم لنجد أنفسنا أمام مجموعة عاشقة للسودان بهويته وأرضه ونيله. نجد أنفسنا أمام المخرج «أمجد أبوالعلا» وطاقم فنى مبهر فى التصوير والإضاءة والديكور والملابس والإكسسوار والمونتاج والموسيقى والممثلين والممثلات الموهوبين والموهوبات يمثلون بعمق وصدق وتلقائية كل هؤلاء الفنانين والفنيين يجذبونك منذ اللحظة الأولى لتترات الفيلم ويشدون انتباهك وحواسك وعقلك وقلبك يحركون الذاكرة والوجدان وتظل مشدودًا ومشدوهًا للكادرات المبدعة فى رسمها ولونها وضوئها. أنت أمام لوحات تنطق بالحياة يرسمها فنان تشكيلى سينمائى.
ها هو المكان الذى يعيش فيه مزمل مع والدته يشبه السجن، يعيش فيه الطفل حاملًا نبوءته، عيناه ذابلتان، مشيته بطيئة، يلبس لباسًا أبيض، وكأنه يلبس كفنه، تبعده أمه عن اللعب مع أقرانه وعن الحب والارتباط، لأنه محكوم عليه بالموت، وتعيش الأم ملفوفة بالحزن والثوب الأسود، تعد الأيام والشهور والسنين، تعيش الأم المكلومة بفجيعة موت ابنها فى العشرين. وتسمح له فقط بالذهاب إلى الكُتاب ليحفظ القرآن، ثم تسمح له بمعاونة أحد تجار البقالة فى القرية، ومن خلال عمله يتعرف على المصور السينمائى «سليمان» الذى يعيش وحده على أطراف القرية فى بيت ملىء بالحياة والحب من خلال السيدة التى تقضى له كل طلباته واحتياجاته. يعيش الشاب الصغير الحياة من خلال صديقه الذى يعرض له الأفلام، خاصة المصرية، من خلال آلة عرض سينمائية قديمة، ومن خلال الصور التى تملأ جدران البيت، لمارلين مونرو وسامية جمال وهند رستم وصوت أسمهان وعبدالوهاب.
وبين الموت والحياة والحب الذى لا مستقبل له، والصراع بين الحلال والحرام تجىء اللحظة التى يموت فيها سليمان، فيقرر مزمل أن يعيش حياته ولو لمرة واحدة، وذلك فى نفس الوقت الذى يعود فيه أبوه ليشارك الأم وأهل القرية الاستعداد لموت الشاب ودفنه، ونصل لليوم الموعود، ويعيش الشاب منتصرًا للحياة على التخلف والخرافات. وفى لقطة معبرة فى آخر الفيلم ينطلق الشاب جريًا حاملًا طاقة الأمل والرغبة فى الحياة.
لقد بلغنا من خلال الندوة التى عقدت بعد رؤية الفيلم «وأدارها الأستاذ الناقد أحمد شوقى»، بلغنا على لسان كل من المنتج الأستاذ محمد العمدة والأستاذة عزة الحسينى التى شاركت فى تأسيس مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية أنه سيتم عرض الفيلم فى دور العرض المصرية، نتشوق لذلك، ونتمنى أن يكون فى القريب العاجل.
ads